17 أبريل 2008

إلى أين تتجه موريتانيا....؟!!

في المستهل أعبر عن شكري لوكالة انواكشوط للأنباء (ANI ) على هذه المبادرة التي فتحتها للنخب السياسية الموريتانية من مختلف الجهات الفكرية الوطنية للتحاور حول السؤال الشائك أين تتجه سفينة موريتانيا في هذه اللحظة التاريخية الحرجة ؟..
أولا : وقبل كل شيء ما هي الظروف التي ألحت في طرح هذا السؤال و الوقوف عنده ، إنها ببساطة كبيرة وبدون مقدمات ، هي أوضاع معيشية عسيرة تتوالي ليلا و نهارا على الموريتانيين وتنغص عليهم حياتهم و تكاد تحجب عنهم بارقة الأمل ، التي تولدت لديهم منذ الثالث من أغسطس 2005، في مستقبل مشرق كانوا يرقبونه قريبا .. وها هو يتباعد أمامهم يوما وراء آخر .. كما أن الوضع الحالي في موريتانيا منذ سنة من وصول حكومة مدنية منتخبة ديمقراطيا ليس على ما يرام من الناحية الأمنية على سبيل المثال ( مقتل الفرنسيين في شرق مدينة ألاق ، و مقتل الجنود الموريتانيين في حامية الغلاوية في أقصى الشمال الموريتاني مما يلي الحدود مع الشقيقة الجزائر ، والهجوم على السفارة الصهيونية في انواكشوط ، وأخيرا .. هروب السجين سيدي ولد سدينا من معتقله في قصر العدالة ، وما عقبه بأيام قليلة من حرب الكلاشينكوف التي تم بثها على الهواء مباشرة من إحدى جهات تفرغ زينه بين مجموعة توصف بأنها " سلفية "!! و الشرطة و الحرس و الجيش الموريتاني ، ،، و ما تلا ذلك من توتر في الوضع الأمني ، ومطاردات ، وقتل وترويع لبعض المواطنين بالخطأ !! ، وتعكير جو السلم الذي ما كان يزيده " أغشت" أصلا كما أشرنا سابقا !!

وثانيا : هذه الأوضاع المعيشية الصعبة بدأت نذرها منذ أشهر حين شهدت المناطق الداخلية في أغلب أنحاء الوطن احتجاجات بالجملة على الغلاء الذي وجد أمامه الناس أنهم غير قادرين على مواصلة حياتهم بشكل طبيعي ، وقد وضعت الحكومة خطة إنقاذ عاجلة " أولى " لتدارك الموقف غير أنها لم تكن فعالة في وضع حد للمعاناة .. بشهادة من استهدفتهم الخطة ذاتها!

ولم يمضى وقت طويل حتى أعلن برنامج الغذاء العالمي (PAM ) أن موريتانيا على شفا جرف هارٍ من المجاعة الحقيقية التي قد تكون نتائجها كارثية على المجتمع وبأسرع مما يمكن تصوره .. وهنا أيضا أعلن رئيس الجمهورية خطة استعجالية " ثانية " لإنقاذ الموقف مرة أخرى ، ندعو لها بالتوفيق بالرغم من المخاوف التي بدأت تثار من هنا وهناك على طريقة تنفيذ الخطة ومن تم تكليفهم بتنفيذها !

إن الأزمة التي تمر بها موريتانيا هي أزمة شاملة ذات أوجه متعددة سياسية و اقتصادية و أمنية واجتماعية ، ولهذا فإن مقاربة حلولها يجب أن تكون شاملة أيضا ، ولكي تكون كذلك فإن الجميع موالاة ومعارضة مدعوون للمساهمة فيها و إعطاء تصوراتهم و أفكارهم بشأنها ، ليشعر الجميع بأنهم شركاء في هذا الوطن ، الذي يقيم فيهم ويقيمون فيه ، و ليس فقط دولةً بين مجموعة محدودة منهم ولو كانت من العباقرة و الصالحين ، بل الكل شركاء في موارد موريتانيا و إمكانياتها وشركاء في تحمل عناء النهوض بها من كبواتها و عثراتها الدائمة ..

و لهذا فإن الإنفراد ، حتى من النظام الحاكم ، بتولي مسؤولية معالجة جوانب تلك الأزمة ، سيعيدنا إلى نقطة الأصل و البداية ، وتظل الأزمة تعيد إنتاج نفسها بصور أقسي و أفدح من ذي قبل .. والموقف الوطني من جماعات الغلو و العنف و التطرف يجب أن يكون قاسما مشتركا بين الجميع ، و كذا لا بد من فتح قنوات التفاعل و الحوار الصريح و الصادق و الأمين بين هاته الجماعات و فعاليات المجتمع كلها من سياسيين و علماء و فقهاء وشيوخ وغيرهم من حملة الرأي و أصحاب المواقف و الكلمة ، ولاشك أن الاحتكام إلى مقارعة الحجة بالحجة و الفكرة بأختها أفضل بكثير من الاحتكام إلى المسدسات و الكلاشينكوفات ، وقد كان هذا الطريق سالكا في دول عديدة ، وكان من نتائجه أن بدأت جماعات مشابهة لـ "جماعاتنا" حملة مراجعات فكرية شاملة ، جعلتها تطلِّقُ العنفَ و سبيله بالثلاث ، وكسب المجتمع في النهاية أمنا وأمانا ..

وهذا هو المدخل الجدي و الصحيح للتفاهم مع ظاهرة العنف المعولم العابر للأوطان و الدول .. أما الحل " الأمني" وحده ، فلا قيمة له ، و هذا ما تؤكده تجربة الولايات المتحدة الأمريكية التي تمتلك أقوى ترسانة عسكرية في العالم ، حيث فشلت في العراق و أفغانستان ، وباتت تتخبط على غير هدى في هذه الساحات المختلفة ، وهو ما جعل الحزب الديمقراطي يضع في أولى أولوياته حين الفوز بالانتخابات الرئاسية القادمة الانسحاب ( المقنن أو الفوري ) من هذه المواقع و التفكير في وسائل أخرى للخروج من نفق " الإرهاب "!

إن المكاسب السياسية التي تحققت منذ الثالث من أغسطس 2005 ، هي جديرة بالتأسيس عليها في سبيل الحكم الرشيد و دولة المؤسسات وحكم القانون والقضاء المستقل العادل النزيه ، وغير ذلك من عناوين التنمية المستدامة الشاملة التي هي البلسم الوحيد لجميع مشاكل موريتانيا و شعبها ذي التراث العربي الإفريقي الأصيل ، والذي لا يريد المستحيل ، إنه يريد فقط أن يعيش بكرامة ، كغيره من الشعوب في هذا العالم ، ولديه من الإمكانيات المادية و المعنوية ما يؤهله لذلك ، و هناك فرص نهوض أخرى تتيحها الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي هي عاقدة العزم على الدخول إلى "السوق" الموريتاني ، فعلينا أن نهيئ لها المناخ الآمن و الأجواء المريحة ، وبذلك قد يتحول البلد في ظرف وجيز إلى ورشة هائلة للإنشاءات الكبرى ، فتنطلق المشاريع الاقتصادية العملاقة التي قد تغير وجه الحياة في موريتانيا بأسرها ، بعد أن ظلت رهينة للنسيان المطبق زمنا طويلا ، هذا هو السيناريو الذي يجب أن تتجه إليه موريتانيا ..

أما بديله ، فسيناريو مرعب : أزمات تتوالي و تتوالد سياسيا ( من إقصاء وتهميش سياسي و خنق لحريات الإعلام و الفكر و التنظيم..) ، و اجتماعيا ( هشاشة و تصدع في تماسك فئات عريضة وواسعة من شعبنا ، وهو ما ينذر بانفلات اجتماعي أو مقدمات توتر غير مسيطر على مآلاته .. ) ، و اقتصاديا ( انتشار دوائر الإملاق و الفقر و إطباقها على النسبة الكبيرة من الموريتانيين ، بسبب الليبرالية المتوحشة و منطقها الطبيعي في تجذير الاحتكار البائس ، و فشل المشروعات الاقتصادية ) ، وأمنيا ( تغول الجريمة المنظمة و ارتهان الأجهزة الأمنية لها وشيوع المخدرات و الممنوعات من كل صنف ولون .. و تحول موريتانيا إلى مثال جلي في غرب إفريقيا لجمهوريات الموز التي يحكمها منطق العصابات ورجالها .. وقد تتحول إلى منطقة نفوذ إقليمي أو دولي ..!!)

لقد مل شعبنا الكلام المعسول ، وينتظر العمل الخلاق لتغيير واقعه و الأمان على مستقبل أجياله ، ونحن مسلمون ومؤمنون وربنا عز وجل يقول لنا في القرآن الكريم "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون"، {التوبة:109}. وينهانا عن الكلام دون العمل به: "يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون.. كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون" {الصف: 2-3}. إن الرهان الحقيقي في كسب معركة الاتجاه في موريتانيا أن نجتهد ، حكاما و محكومين ، في عمل الأصلح ، وكما يقول الإمام الشاطبي في " موافقاته " ما معناه كل عمل يقوم به الإنسان يتنزل بين المصلحة والمفسدة ، وعلى الإنسان أن يتحرى المصلحة و يسعى إلى تحقيقها.. وأن يتجنب المفسدة و ما يقود إليها من قول أو عمل ..هذا رأيي المتواضع في سؤالكم .

المصدر :

وكالة نواكشوط للأنباء :

http://www.ani.mr

2 التعليقات:

غير معرف يقول...

لالا ليس كذلك!! موريتانيا لم تكن وحدها في هذه الفجوة الغذائية العالمية التي أحدثها استخدام الحبوب في إنتاج الوقود الحيوي نسبة لارتفاع النفط عالميا. مظاهرات الخبز في مصر، اليمن، ساحل العاج، الكاميرون وبعض الدول الأخرى أمر معروف للكافة. نعم الهاجس الأمني والاقتصادي يعتبران امتحانا حقيقيا لديمقراطية موريتانيا الوليدة التي لابد أن تدفع ضريبة باهظة حتى تكبر وتترعرع من ثدي المحن والإحن. بالنسبة للمحك الاقتصادي الحرج الذي تمر به موريتانيا يعتبر أمرا عالميا. أما الأرهاب فيمكن احتواءه ومحاربته بالحجة والبرهان إن كان الإرهاب جسما مرئيا له أصحاب وقادة ولهم رؤية واجندة، لكنه ارهاب خفي لا تعرف من وراءه وماذا يريد؟ سياسيا البلد ديمقراطية، والحريات مفتوحة فيها على الآخر، حرية التعبير والتجمع والتظاهر والمعارضة ... الخ إذا لا توجد أزمة في موريتانيا بالحجم الذي صوره الكاتب.

أحمد قسم الباري - مترجم

غير معرف يقول...

Hi there! I am a blog reader from the Philippines. You have a very nice site. It is worth visiting.

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | Hostgator Discount Code تعريب بلوغر ـ تطوير وتنسيق : yahya