الاثنين، مارس 31، 2008

في موريتانيا .. تمحّل نخبة ... أم تجذير للعسكريتارية

يموج الواقع السياسي الموريتاني هذه الأيام ، بل وغير بعيد عن تداعيات المحاولة الانقلابية في يومي 8-9/يونيو الفارط ، بالكثير من تجليات المد والجزر ، وأمارات عدم العافية السياسية والاقتصادية والاجتماعية .. حيث يولّي الموريتانيون وجوههم شطر يوم معلوم هو يوم السابع من نوفمبر.... وما أدراك ما السابع من نوفمبر؟؟؟!!
إنه يكاد يكون مناسبة " مغاربية" (مع الاعتذار لمؤسسة الاتحاد المغاربي التي تعيش هنيئا في مناخ صقيعي منذ حين)!!..
أجل إن السابع من نوفمبر هو ذكري مغاربية بحق ، حيث يوافق ما يسميه اخوتنا في تونس حلول ذكرى " عهد التحول" التي وصل فيها الرئيس زين العابدين بن علي سدة الحكم في بلاده..
كما أنها- وهذا حجر الزاوية الآن- هو الموعد الذي ارتأي فيه معاوية ولد الطايع إجراء "انتخابات"لخلافة ذاته وموضوعه!!
وفوق ذلك ومعه فإن الدلالة الكبري للسابع من نوفمبر من وجهة نظرنا المتواضعة ، هو أنه أصبح " فتنة كبري" وُسوسَ بها لدى الموريتانيين ، وتكاد تشبه واقع المسلمين قبل 14 قرنا من الزمان ، حين حلّت بهم الفتنة الكبري الشهيرة في التاريخ الإسلامي بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان (ر) ، مع فارق التشبيه بطبيعة الحال.. إنه فتنة لكونه – أولا- فتن فرعون وقارون وهامان و " الجنود"!.. وذلك بنفس القدر الذي فتن به الملأ من الناس بمن فيهم المستضعفين من الرجال والنساء والولدان.
ولكونه – ثانيا- أماط الظلال الكثيفة عن حجم الفرق والمذاهب السياسية والاجتماعية ، التي لو كان المؤرخ الشهرستاني بيننا الآن لأعاد النظر في مؤلفه الشهير " الملل والنحل " ، وربما لأضاف عليه بعض " الملل" و " النحل" التي ظهر أن البلاد السائبة تعجّ بها على نحو مثير للاهتمام والفضول في آن معا!
ونحاول في هذه العجالة الوقوف عند بعض القضايا ذات العلاقة بدور النخبة الوطنية المفترض في مفترق الطرق الحالي الذي تقف عنده موريتانيا في إحدى اللحظات التاريخية الفاصلة التي ربما لا تحسن النخبة الموريتانية إدراك أبعادها ومضامينها ومتطلباتها فتحيد بالتالي عن الاصطفاف للدور المفترض لها وبها أن تلعبه بجدارة واستحقاق..
وقبل الغوص في التفاصيل فإن المنهجية العلمية البحته تطالبنا بتحديد ما نعنيه بالنخبة ، وكذلك العسكريتارية ، وهما نقاط الارتكاز الرئيسية الذين تتمحور حولهما هذه المعالجة التحليلية.
إنما نقصده بالنخبة ليس تلك المعاني الدارجة لها في الأدب السياسي ، والتي تصنفها ضمن مرادفات : الطليعة المثقفة ، أو الانتلجنسيا الفكرية.. الخ ، بل إننا نتوسع في المفهوم ليشمل كافة الأحزاب والفعاليات السياسية والاجتماعية والثقافية ، التي تتمتع بحكم طبيعتها الخاصة بقدرتها على تحليل معطيات الواقع بموضوعية وتجرد ، يمكنانها من اتخاذ المواقف الصحيحة وفي الأوقات الصعبة.
أما العسكريتارية ، فإننا نصف بها كل دعاية إلي أن يكون للجيش و رجالاته اليد الطولي في تقرير مصير البلد ، تحت أية ذرائع أو مسوغات.
إن النخبة بذلك المعني المشار إليه آنفا تجد إطارها الحقيقي ودورها الطبيعي في قيادة المجتمع وتنويره وتثوير رأيه العام ودعوته دعوة حارة و صادقة ومخلصةً لدراسة واقعه وتشخيصه ، والمشاركة الشعبية الجماعية في تغييره دون نيابة أو وصاية أو تمثيل حتى ولو كان من النخبة نفسها .
فهل كان ذلك هو الدور الذي قامت به النخبة الموريتانية في مواجهة قضايا شعبها؟؟..
نعتقد ببساطة وبدون مقدمات أن الجواب على ذلك السؤال الكبير لن يكون أكثر من النفي الأكيد.. وقد يسوق المرء من تاريخ موريتانيا الحديث (منذ الاستقلال مثلا) الكثير من الأمثلة والوقائع الداعمة لذلك الرأي... إلا أنه لضرورات الاختصار المفيد نشير فقط إلى ما يسمي " تجاوزًا" بالمسار الديمقراطي، الذي مضي عليه أزيد من عقد من الزمان.. وهو المسار الذي أثبت أن النخبة الموريتانية لم تقم بدورها "المثالي" المفترض في تصحيح خطوات ذلك المسار من البداية في ما يسمي دستور الـ 20 يوليو ، الذي جاء وفقا لمزاج العسكريتارية ، وقدمته النخبة الموريتانية إلى جماهيرها المستغفلة لتخدعها في رابعة النهار من أجل تمريره والتصويت عليه بـ:" نعم".. وذلك بدلاً من المطالبة الجادة بتصحيح بدايات المسار الأعوج، وشرط صلاح النهايات هو تصحيح البدايات كما يقال في التراث! .
لأن الدستور المذكور انطوي على بذرة الدكتاتورية المؤبدة من البداية حين لم ينص على تقييد فترة تولي الرئاسة بمريتن علي الأكثر ، كما تفعل الديمقراطيات التقليدية في العالم ، وعلى نحوٍ مطبق لدي جيراننا الجنوبيين (مالي ، السنغال) حتى لا نقول عند أصدقاء موريتانيا الجديدة من بني صهيون!!
وكان الأولي بالنخبة الموريتانية أن تطالب بتعديل الدستور وحبره لم يجفَّ بعدُ .. بدلاً من الدعاية " الرخيصة" له، وهو الذي يكرس الفردانية المطلقة والأحادية المقيتة . ولقد أدّي ذلك السكوت المريب من النخبة الموريتانية أن كذبت على نفسها وخانت جماهيرها ، وجذّرت جرثومة الفشل التي بدأ ت تؤتى أكُلها كلّ حين على مدي ثلاثة عشرة سنة من السنين العجاف الطوال!
وهكذا بنت النخبةُ الموريتانية الأساسَ الباطل المهترئ الذي تعيشت عليه ومنه العسكريتارية ، وهي التي أجهضت جهود البناء الحديث للدولة والمجتمع حين سرقت السلطة عسكريا في 10 يوليو 1978 حتى الآن.
وهكذا أيضا يكون كلّ حديثٍ بعد ذلك كله عن تشكيل "الأحزاب – الشخوص" وزرع الجواسيس والمرتزقة والمرجفين داخلها لتشويشها وتفكيكها وضربها وحلّها عنوةً بقوة قانون العسكريتارية.!!..
وكلّ حديث عن حرية الإعلام والصحافة المكذوبة ، وحرية توزيع رخص النشر ومحاصرتها بالرشوة والمحسوبية ، ومصادرتها بقوة قانون تنظيم الصحافة العسكريتاري تعززه أمزجة القصر ودخلائه و مادته سيئة الصيت رقم 11!!!....
وكلّ حديث عن " استحقاقات " وهمية لامعني وقيمة لها سواء كانت رئاسية أو تشريعية زائفة ومزيفة لزيف الأداة والوسيلة والهدف!.. وكلّ حديث عن " انجازات جبارة" تدعيها الحكومة العسكريتارية ، أو " انتكاسات فظيعة" تشير إليها المعارضة الوطنية ...
كلُّ حديث من تلك الأحاديث لا لزوم له على الإطلاق وليس إلا نفخًا في قربة مثقوبة وجهدًا ضائعا ومضيعا لاهدف حقيقيا يرجي من ورائه. بدليل أن الاحتقان الداخلي على جميع الصُّعد تفاقم في محصلة الأمر واستمرت الاخفاقات تتوالي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا حتى دفعت إلى الانقلاب الشهير.. وبدلاً من أخذ العبرة والتفكير الرزين ألف مرة ومرة في عواقب السياسات " الدونكيشوتية" التي ينهجها نظام العسكريتارية الموريتاني ، فإن كل المؤشرات تشي بأن لا جديد تحت الشمس بل هناك استمرار للبحث عن طريقة إخراج واهية جديدة للسفسطة مع محاربة كل ما يشير إلى التغيير الحقيقي بإعلان الرئيس العقيد ترشيح نفسه ، وكذلك هذه الكرنفالات المقززة التي يقوم بها الأعوان والمدراء لتخدير الجماهير والضحك عليها مليون مرة(سياسة التدشينات هذه الأيام) هذا فيما يخص العسكريتارية!
أما فيما يخص النخبة الموريتانية وفي مقدمتها ما يسمي استعارةً بـ:"أحزاب المعارضة" فإنها بعجزها عن قتل روح الأنانية السياسية، بدليل عدم قدرتها على توحيد مرشحها لفتنة السابع من نوفمبر.. فإنها تكون قد نسيت كل الدروس التي ألقيت عليها منذ 1978 حتى الآن.
وهكذا نجدها قد انقسمت شرّ ممزق وبدت مثالاً نموذجيًا لما يسميه الفرنسيون بظاهرة " الترحال السياسي"، حيث تشهد مختلف الأحزاب حالات الحل والترحال منها واليها .. وظهر أن أولئك الأشخاص الرحالة السياسيون هم أشبه ما يكونون بـ:"أصحاب الأمزجة السياسية المتقلبة" ، وأبعد ما يكونون عن "أصحاب المبادئ السياسية الثابتة"!!
وقد استووا في ذلك كلهم دون استثناء بدايةً بالإسلاميين ، ومرورًا بالقوميين العرب وتشكيلاتهم ، واللجان الثورية ، وانتهاءًا برجالات الحر ، وكذا أجيال الكادحين كالوطنيين الديمقراطيين ، أو " ليبرالييهم" المحدثين بعد أن أفَلَتْ الشيوعية ، وتلألأ نجمُ الليبرالية ، وانتهي التاريخ بحسب فوكوياما!
و قد يكون أصدق تصوير لحالة الاضطراب السياسي الذي تعيشه النخبة الموريتانية ، هو ما يشير إليه الشاعر العربي حين يقول:
والعين قادحة، واليد سابحة والــــــ ـرجل صارخة ، واللون غربيبُ
إنما تقوم به النخبة الموريتانية في خضم تداعيات فتنة السابع من نوفمبر القادمة هو كذب ونفاق وخيانة لجماهيرها ، وبالتالي لا يكون من الافتئات على الحقيقة في شيء وصمها بــ:"التّمحُل" .. كما أنه يخدم – ولو عن جهل- استمرار نهج العسكريتارية في ركوبه لمصير موريتانيا ومستقبلها . ولقد ظلت الجيوش " الوطنية" في كثير من الحالات " وطنيةً ً" حتى النخاع تتدخل في السياسة حين تنحرف الأمور عن مسارها ، وذلك للعودة بالأوضاع إلى سكة الصواب.. وغير ذلك فإن الجيوش الوطنية "مرابطة" في ثكناتها على الثغور دفاعًا عن الأهل والعرض والأرض فقط لا غير.أما أن يغدو " رجل الجيش" هو أملُ التغيير و "المهدي السياسي المنتظر" .. وتجد مثل تلك الأصوات رجعاً قويا لها و " صدًى" لدى النخبة الوطنية ، فإنها تستحيل عندئذ إلى "لاشيئ" ...إلى " فراغ" .. حيث لا ينتشر الصدى إلا في الفراغ .. فهل يعلمون؟؟!
نشر المقال في جريدة الراية انفو يوم 11 اكتوبر .. في خضم الانتخابات الرئاسية التي نظمت في نوفمبر 2003 بعد محاولة انقلاب 8 و 9 يونيو 2003 .

الخميس، مارس 27، 2008

العرب و أوروبا .. حراب أم حوار ؟؟

تأسست العلائق التاريخية بين العرب وأوروبا منذ زمن غابر سحيق لا يعرف له على وجه الدقة مبتدأ محدد وتاريخ دقيق، وقد لا يكون ذلك الأمر ذا فائدة كبرى إلا لدي المشتغلين بالغوص والتحري والتأصيل للمسائل التاريخية، أما غير أولئك- ومن بينهم كاتب هذه الأسطر- فقد يكون أجدى لهم نفعا الاقتصار على التحليل الفكري والحضاري لإحداثيات وقائع بعينها من اجل تكثيف التحليل وحشد التركيز بحيث يمكن الاستفادة منها في الخروج بتصور مفيد يتجاوز "إحداثيات" الماضي، وتفاصيل الحاضر، إلى "آفاق" المستقبل المنظور على الأقل .
وهكذا فإن التأمل في طبيعة العلاقات العربية الأوروبية يعيد – دائما إلى الذاكرة " شيئا" من التاريخ ، و"فصولا" من ذكريات التدافع الحضاري طيلة أربعة عشر قرنا من الزمان، وتحديداً منذ ظهور رسالة الإسلام باعتبارها آخر خطابات السماء إلى بني آدم الذين هبطوا على الأرض.. حيث بدأت علاقات الأوروبيين مع هؤلاء "الأعراب البداة" تشهد مدًّا وجزراً غير مسبوقين، لأن العرب حملوا راية نشر التوجيد إلى الناس كافة، ومن بينهم الأوروبيين.
وللعل ذلك كان من أدعى أسباب "التلاقي" بين العرب وحفدة حضارات روما واسبرطة وبيزنطه الذين لم يرضوا عن طيب خاطر أن ينصتوا إلى نداء يحمله من كانوا في عرفهم القريب لايزيدون عن مجرد " برابرة" على هامش الحضارات اللاتينية العتيدة المتعاقبة، شأنهم شأن غيرهم من الشعوب والأقوام " التوابع"، غير القادرين على الفعل التاريخي في ذلك الوقت ولم يدٌمُ الوقت طويلا حتى جعل الإسلام العرب فاتحين استطاعوا أن يؤسسوا أحجار حضارتهم العيمة في أقل من عشرين عاما، وبدأوا في تدشين مداميك حضارة عربية إسلامية أضافت للإرث الإنساني الشيء الكثير، وبلغت شأوا راقيا وشأنا رفيعا في مدارج الفكر والثقافة والعمران، الذي بهرت أنواره الساطعة أبصار وألباب الأوروبيين الرازحين أنينا وحينا من الدهر تحت وطأة ظلام الهرطقة الفكرية في أجلى مظاهرها وتجلياتها، الشيء الذي جعل الحواضر العلمية والإسلامية في كل مكان قبلة و" مثابة" للأوروبيين، وتحديدا في الأندلس (غرناطة، قرطبة، ..إلخ)، حيث تبارى الأوروبيون في النزول بتلك الجامعات العربية طلبا لرحيق العلم وبذور الثقافة والفكر.
ومن خلال ذلك بدأت تظهر " معالم على الطريق" وبوادر لنثر مفاهيم التمرد والثورة على فلسفة الاقطاع وثقافته المتجذرة منذ قرون. غير أن سلطة لاقطاع "الكنسية" مانعت ذلك بعض الوقت، وتمكنت إلى حين من "تأجيل" نور النهضة في أوروبا خصوا بعد إعلان البابوات" حروبهم "الصليبية" (المقدسة!) لدحر "الكفر" الزاحف من الشرق وشهدت العلاقات العربية الأوروبية يومها قرنا من الحراب والدماء استمرت تنزف مائة عام وفشلت عسكريا في تحقيق النصر المؤزر، ونجحت "استراتيجيا" على مستوى الداخل الأوروبي بأن شكلت منعطفا تاريخيا بدأت به الجرأة في الدعوة إلى الإصلاح الديني، وهو ما تزامن مع ظهور"حركات تنويرية" ارتكزت في جوهرها على الدعوة إلى الثقة في مقدرة العقل الإنساني على إدراك الحقيقة الكامنة في الكون والوجود، وكذا مقدرته على "الإجابة" على تساؤلات " الفيزيقا" (الطبيعة). وقد تزعم ذلك التنوير جماعة من الدارسين المجازين علميا وفكريا من الجامعات العربية الإسلامية، وخصوصا من المدرسة الرشدية (نسبة إلى ابن رشد) في الأندلس، ومن أشهر أولئك الدارسين الاسكتلندي ميخائيل سكوت وغيره.
وقد ترتب على ذلك أن تلمس الأوروبيون حقائق جديدة، وشيئا فشيئا تنسموا نعيم الخروج "الجماعي" من جهنم القرسطوية إلى نور جنة الحداثة، التي سارعت وتسارعت بالثورات العلمية والصناعية، وتأسيس الدولة الوطنية المعاصرة التي دعمها الرأسماليون الناشئون ممثلين في البورجوازية أول الأمر) رغبةً في تعزيز سلطانها، وسعيا لخلق واقع اقتصادي جديد يكونوا هم سادته وأربابه، وظهر ذلك التزاوج النادر في التاريخ بين الدولة والرأسمالية، وهو ما يشار إليه عادة ضمن أدبيات تاريخ الفكر الاقتصادي بمرحلة "المركنتالية التجارية" التي تميزت ببزوغ عوالم جديدة على سطح البسيطة (الأمريكيتين واستراليا وتدفقت المعادن النفيسة – الذهب والفضة- على الأوروبيين، مما دفعهم إلى ابتكار صيغة جديدة هي "الاستعمار" للشعوب الأوطان الأخرى جلبا للمواد الخام(رأس المال المادي)، والبشر (رأس المال البشري). ولهثا في نفس الوقت وراء البحث عن أسواق لتصريف ما تنتجه المصانع وغيرها من الوحدات الإنتاجية التي ظهرت في ذلك الوقت. وهنا دخلت العلاقات العربية الأوروبية نفقا جديدا، بعد أن نال العرب نصيبهم من "كعكة الاستعمار!" مدة تزيد عن قرن من الزمان منذ سنة 1830 ميلادية بعد أن دب الوهن في صلب الامبراطورية الإسلامية التي تضخمت حتى أسوار سور الصين والقوقاز والبلقان وبحور الظلمات في إفريقيا وغيرها، ومن حيث دخل الاستعمار بدأت المقاومة التي دفع فيها العرب الثمن غاليا وتحمّل ذلك الثمن الأوربيون ولايزالون يتحملونه حتى منتصف القرن العشرين لفارط، حيث تم جلاء الجيوش الغازية وقواعدها الرابضة على الأرض العربية، وبدأت فصول أخرى من التدافع الحضاري العربي الأوروبي لم تتسم – في أغلبها- بالفهم الصحيح للتواصل الحضاري، حيث ظل الأوروبيون ينظرون بنفس الرؤية القديمة- الجديدة التي لا ترى في المنطقة العربية أكثر من منطقة امتداد للنفوذ الاستعماري التقليدي دون أدنى اعتبار للندية والمساواة الإنسانية المفترضة نظريا، ولو على الأقل في عرف العلاقات الدولية منذ عصبة الأمم سنة 1919.
ولهذا لم يكن غريبا أن تأبى الدول الأوروبية من خلال سيطرتها على البنك الدولي أن يقبل هذا الأخير بفكرة تمويل السد العالي في مصر الخمسينيات من القرن العشرين أيام الزعيم خالد الذكر جمال عبد الناصر، وذلك ببساطة لأن مصر في تلك الحقبة " تحررت" وتسعي لـ" تحرير" غيرها، ولم تعد منطقة نفوذ بالمعني الدارج في الأدبيات الاستعمارية. ثم إنه – وهذا سبب جوهري لابد من منع مصر (أي العرب) من الوصول إلى وضع من شأنه الإخلال بالتفوق الصهيوني العسكري، ويوضح هذا المثال بجلاء طريقة تعاطي التفكير الأوروبي مع العرب الناهضين من استعمارهم، وعند تلك الحالة لم تنسف جسور الحوار العربي لأوروبي، بل ظل الحوار موجودا ولكنه يمارس في أضيق حدوده، وأكثر من ذلك يتم التشويش عليه بالريبة والشك من العرب تارة، وبالضغوط والإملاءات من الأوروبيين تارات أخرى واستمرت تلك الحال حين رفع بعض العرب شعارات "التحرر" لأوطانهم وشعوبهم ومحيطهم الجغرافي و الإنساني (نظرية الدوائر الثلاث : العربية، الإفريقية، الإسلامية وتحولوا إلى مراكز متقدمة لدعم كل المناضلين في سبيل الحرية، وترجموا ذلك في سلوكهم السياسي حين أسسوا أحلافا دولية تبتعد قدر المستطاع عن الانجذاب للشرق الشيعي أو للغرب الرأسمالي في حروبهما الباردة أو الساخنة أحيانا، واستطاعت تلك الأحلاف أن تؤسس لعلاقات من وحي المبدأ القائل: "نصادق من يصادقنا ونعادي من يعادينا".. وهنا تصدعت جسور الثقة بصدوع كبيرة بين العرب وأوروبا، وسادت لغة "الحراب" وتراجعت لغة "الحوار".. العرب يوسمون أوروبيا بأنهم "إرهابيون"، والأوروبيون ينعتون عربيا بأنهم "إمبرياليون قدماء جدد" .. العرب يرون القضية الفلسطينية قضيتهم المركزية ويدعون إلى تحريرها ولو بالسلاح وأن : " ما أخذ بالقوة لايسترد بغيرها" 0 كما قال عبد الناصر غير ما مرة 0.. والأوروبيون ينادون بضرورة السلام ويطالبون العرب بالقناعة و"الواقعية = الوقوعية بقبول وهضم إسرائيل كدولة" طبيعية ضمن قلب الجغرافيا العربية، بعد أن خلقها تاريخيا الوعد الأوروبي الشهير و الظالم ( الوزير البريطاني " بلفور " بعطائه فلسطين التي لايملكها للـصهاينة الذين لايستحقونها ). واستمرت الجفوة متسعة ولو بدرجات متفاوتة تفاوت العرب في اتفاقهم حول ما يرونه "قضايا مشتركة" واستطاع الأوروبيون لأسباب تاريخية عديدة – لا مجال للاسهاب فيها- أن يشرذموا العرب إلي قسم مهادن (حتى لا نقول أكثر من ذلك)، وقسم مناوئ (معارض)، وهذا الأخير هو الذي تحمّل الدور الكبير في رسم لوحة العلاقة مع أوروبا منذ منتصف القرن العشرين، ومثلما نظرت غالبية الدول الأوروبية الغربية تقريبا إلى جمال عبدالناصر بوصفه العقبة الكبرى (أزمة قناة السويس وحربها الثلاثية في سنة 1956) في وجه المصالح التقليدية لأوروبا نظرا لتطلعاته التحررية القومية العربية ونزوعه الاستقلالي المتمرد كما ظهر في تأسيسه مع عمالقة زمنه في باندونغ : جواهر لال نهرو ، وجوزيف بروز تيتو .. وأترابهم ، فإن نفس التقييم – مع تغييرات طفيفة مرتبطة بعوامل أخرى هنا وهناك- انسحب على حالة التعاطي مع الموقف السوري منذ سنة 1970، وكذلك على العراق منذ حرب تحرير الكويت1991، وعلى الجماهيرية منذ اندلاع ثورة الفاتح وتصنيفها على أنها استمرار لفكر الرفض والممانعة.. وتشي تلك النماذج وغيرها بدلالة صارخة على أن فرص الحوار لم تكن إيجابية بصورة كبيرة بين العرب والأوروبيين طيلة خمسة عقود سابقة.
ولم يبدأ في عمر البشرية القرن الحادى والعشرون حتى انتصر الكثير من "إرهابيي" الأمس القريب من أمثال " ياسرعرفات" و " نلسون مانديلا" ...وغيرهم كثير ، وغدوا في ظل عالم ما بعد القطبية الدولية أبطالا يستحقون الاعتزاز و"يتوجون" بجوائز السلام العالمي، وهو ما يعني أن الكثير من "المسلمات" السابقة قد تغير ، لأنه كان مغالطة كبرى ، ليفسح المجال لأخرى جديدة لها أطرها واعتباراتها الخاصة. واستحالت ذكريات الحرب الباردة بين الشرق والغرب إلى أثر بعد عين، وتضاءلت فرص المناورة السياسية الناجحة ولم يعد العالم أكثر من حديقة "تستأسدها" الولايات المتحدة الأمريكية، وخصوصا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي جرحت كبرياء زعيمة العالم "الحر" في الصميم، ولم تعد الدول الأوروبية تتعامل فكريا بعقليتها الاستعمارية الفجة، وبرهان ذلك هو تجريمها لخطاياها التاريخية (النازية في ألمانيا، والفاشية في إيطاليا وقناعتها بضرورة التكفير عن "آثام" الاستعمار السابقة والاستعاضة عنها بـ طهارة" نهج الاعتماد المتبادل، ومقايضة التقنيات بالمواد الخام، علاوة على إمكانية إلغاء الديون المستحقة في مراحل تاريخية مغايرة، واستبدالها بتقديم المشورة التقنية والفنية اللازمة للتقدم والنمو في ظل هذا الخضم المتلاطم من الأحداث والمتغيرات والتدافعات على المستوى العالمي والإقليمي، وفي ظل الواقع العربي المرير في الشرق الأوسط بمعناه التاريخي(استمرار احتلال العراق منذ 2003، وفلسطين منذ أكثر من خمسين عاما، إضافة إلي تداعيات الإخفاق للكثير من مشاريع الإنماء والبناء الوطني، فليس من خيار متاح ومعقول ممكن أمام عرب الألفية الجديدة إلا السعي الجاد والملموس للاندماج الكلي الشامل فيما بينهم، مع مدّ جسور التفاهم الحقيقي وليس الوهمي مع جيرانهم الأوروبيين الآسيويين، والدخول في التلاحم التاريخي المصيري مع الإفريقيين، وذلك من أجل أن يكونوا في مستوى أعبائهم التاريخية التي فرضت عليهم منذ نصف قرن على الأقل، وفي المحصلة لاستقراء الواقع وتشوف المستقبل لا توجد منزلة بين المنزلتين، لابد من الدخول في الحوار أم حمل الحراب، مع الاستعداد للنتيجة الحتمية لأي منهما.

منشور في مجلة فضاءات للفكر و الثقافة و النقد - العدد 21- السنة 2006

الأربعاء، مارس 26، 2008

مقابلة شاملة مع جريدة الأمل الجديد اليومية - انواكشوط - موريتانيا

مقابلة شاملة مع جريدة الأمل الجديد اليومية – انواكشوط – موريتانيا


الأمل الجديد :
تعيش موريتانيا حاليا وضعية اقتصادية واجتماعية تتميز بنوع من الغموض والضبابية خاصة في ظل الجدل الطارئ بين النظام والمعارضة حول الوضع الاقتصادي ، بوصفكم أستاذا للعلوم الاقتصادية ، كيف تقيمون هذه الوضعية من زاوية مهنية بحتة بعيدا عن السياسة ومواقف أهلها؟؟

أحمد ولد نافع :
من الصعب البعد عن السياسة ، وحتى الاقتصاد ألصقوا به السياسة ، فغدا " الاقتصاد السياسي" ، ومع ذلك نحترم توصيفكم للمشهد الراهن في موريتانيا وهو مشهد كما أجليتم يتسم بمسحة من الغموض والضبابية اقتصاديا واجتماعيا ، حيث إن المعارضة بدأت تتذكر أن لها دورا سياسيا " تقاعست" ، لنقل مؤقتا، عن لعبه . وربما ، إذا أحسنا النية بها ، لإتاحة الفرصة للحكومة لعمل شيء ما .. وبعد أن بدأت الايام تصل إلى حوالي 180 يوما من العمل السياسي .. كان من نتائجه " الاقتصادية" .. أزمة الغلاء المعيشي للمواطنين .. وانهيار الخطوط الجوية الموريتانية على نحو درامي مثير للشفقة.. وغير ذلك من التفاصيل الجزئية لعنوان كبير هو الأزمة بكل ما تعنيه الكلمة من معني .. هنا من الطبيعي أن يتنزل في عمق المشهد هذا الجدل الساخن أحيانا بين الحكومة التي تدافع عن نفسها ، والمعارضة الباحثة عن دور في هذه اللحظة التاريخية .. ومن زاوية مهنية فإن المؤشرات هي أن هناك وضعا اقتصاديا بعيدا جدا عن الحالة التي حلم بها المواطن غداة اختياره البرنامج الانتخابي للرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله بنسبة 52% وبعد معركة شرسة انتخابيا .. وهذا الوضع الشاذ لاشك أنه ينطوي على نتائج اجتماعية قد تنعكس آجلا أو عاجلا بصورة غير إيجابية على الطبقات الاجتماعية التي لا تستطيع حيلة ولا تهتدي سبيلا إلى الحصول على المعيشة اللائقة بيسر وسهولة .

الأمل الجديد :
تلوح في الأفق شائعات حول احتمال بيع الشركة الوطنية للصناعة والمناجم " اسنيم" التي غني رواد الاستقلال بتأميمها وانتزاعها نهائيا من قبضة الاستعمار ما تأثير ذلك على الاقتصاد الوطنى وأحلام الوطنية والاستقلال التي هتف لها الجميع ؟
أحمد ولد نافع:
لاشك أن ما أشرتم إليه يبين أهمية الشركة الوطنية للصناعة والمناجم (SNIM ) وهي التي تم تأميمها من طرف الدولة الموريتانية منذ الستينيات تقريبا في عهد الحكومة المدنية الأولى بقيادة الرئيس المؤسس المختار ولد داداه رحمه الله ، بمعني بعد سنوات قليلة من الوجود السياسي للدولة الموريتانية وفي ذلك ما فيه من دلالة رمزية لايمكن إنكارها ، وهي شركة ذات راسمال مختلط تمتلك الدولة الموريتانية حوالي 78.35% من رأسمالها ، و 21.51% يمتلكها مستثمرون عرب ، و0.14% لمستثمرين محليين ، هذه الشركة مختصة بإنتاج وتسويق مادة أولية إسمها الحديد الذي تأتي بلادنا في قائمة العشرة المنتجين الكبار عالميا له ، و" اسنيم" توفر خدمات كبرى للاقتصاد الموريتاني ، مثلا تساهم في الميزانية العامة للدولة بنسبة معقولة حوالي 14%تقريبا ، وتصحح الخلل في الميزان التجاري وميزان المدفوعات ، وتسهم في حجم التشغيل الكلي للعمالة إذ يصل عدد مستخدميها إلى الآلاف إذا أخذنا بعين الاعتبار تكتل الشركات التابع لها ، وبذلك تكون هي المؤسسة الثانية بعد القطاع العام الموريتاني، التي توفر شغلا ثابتا وقارا لقسم كبير من المواطنين ، وهو ما لم يكن بمقدور أية مؤسسة أخرى عامة أو خاصة في موريتانيا أن توفره ، إن الأرقام في هذا السياق تأتي كلها لصالح هذه المؤسسة العريقة ، وعلى سبيل المثال فقد بلغت حصتها من الاستثمارات العمومية في سنة 1993 حوالي 33.10%، ثم تناقصت بعد ذلك حتى وصلت إلى 1.5% في سنة 1996 ، ثم عاودت التزايد بعد ذلك إلى أن وصلت إلى 13.54% من إجمالي الاستثمارات العمومية في نهاية سنة 2005... وتصل الطاقة الانتاجية لاسنيم إلى 11 مليون طن من الحديد سنويا .
ولم يتم تأكيد " بيع اسنيم" لرجل الأعمال الهندي وملك الحديد الصلب كما يلقب في الصحافة ، كما أن الحكومة لم تقدم حتى الآن بيانا بالمشاكل التي تواجهها الشركة ، سوى القول إن هناك رغبة في زيادة الانتاج ليست بالإمكان ما لم تتم زيادة رأس المال ، والطريق إلى ذلك هو التنازل " أو البيع" لنصيب الأسد حوالي 40%من الأسهم الإجمالية للشركة إلى شركة " اغلوبل استيل" الهندية العابرة للأوطان ، حيث تتمدد على خريطة العالم كله ، وذلك مقابل مليار أو مليارين من الدولارات الأمريكية للخزينة الموريتانية ..
إن ذلك لن يكافئ بأي من الأحوال الخدمات الاجتماعية ( المياه والكهرباء) التي كان يستفيد منها عشرات الآلاف في انواذيبو وافديرك وازويرات وشوم..وغيرهم ، هؤلاء لن يجدوا عزاء هذه الخسارة الاقتصادية والمعنوية التي ستحيق بهم جراء " خصخصة" هذه الشركة التي هي كما قال أحدهم "آخر رموز السيادة الوطنية"!
وما نخشاه هو أن تكون المبررات حول التخلص من هذه الشركة " كلمات حق يراد بها غير ذلك"! ..حيث يجب الموازنة بين ايرادات اسنيم الاقتصادية والاجتماعية الجليلة ، و ايرادات بيعها بالتقسيط أو بالجملة إلى رجل أو رجال أعمال دوليين ربما لا تعني لهم الاعتبارات الاجتماعية للشعب الموريتاني الشيء الكثير ..
ولهذا يجب التوكيد على خطورة هذه الموجة " البيعية" إن صح التعبير التي يبدو أنها ستجهز على ما تبقي من شركات القطاع العام في سابقة هي الأولى من نوعها في شبه المنطقة ، بعد أن جربت تلك الدول مثل هذه الخطوات ، كما جربناها نحن ، وتراجعت عنها حين ثبت خطأها الاستراتيجي الكبير...
لهؤلاء المصرين : ماذا عساهم قائلين للذين " أمموا" اسنيم أول مرة لفائدة الشعب الموريتاني
هل نجيبهم أنه خلف من بعدهم خلف أضاعوا المكتسبات واتبعوا تعليمات وكلاء الرأسمالية العالمية..!!


الأمل الجديد:
كيف تقيمون من خلال متابعاتكم البحثية تجربة الخوصصة في موريتانيا ؟

أحمد ولد نافع :

لقد وجدنا من خلال المتابعات البحثية التي قيم بها لتقييم حصيلة تجربة الخوصصة في موريتانيا ، كحالة دالة على تجربة الخوصصة في دول افريقيا جنوب الصحراء ، وذلك في أبحاث علمية منشورة في دوريات جادة علميا ، وفي مواقع مشهور كموقع قناة الجزيرة( الجزيرة – نت) ، ومن تلك العناوين " الاقتصاد الموريتاني من آمال الاصلاح إلي مآزق الفقر" ، و" تقييم تجربة الاصلاح الاقتصادي في دول افريقيا جنوب الصحراء – حالة موريتانيا" .. الخ ، وكل تلك الأبحاث التي تستند في خلفيتها على منشورات مؤسسات بريتون وودز( وما يسمون في موريتانيا بشركاء في التنمية) ، التي لديها الخبر اليقين ولا اعتقد أن هناك من يشكك في نزاهتها ، برهنت أن ما يسمى الخوصصة ، أي إتاحة الفرصة للقطاع الخاص لدور اقتصادي كبير يحل فيه محل القطاع العام أو الدولة التي تستحيل الى دولة حارسة فقط لا تهتم الا بالامن والدفاع والقضاء ، هذه التجربة المرعية من وكالات الاقراض الدولية باءت بالفشل الذريع في آسيا وأمريكا اللاتينية وافريقيا ، حيث لم تنعم تلك الدول ، بما فيها موريتانيا ، بفضائل الخوصصة المزعومة ولم تتحسن الفعالية الاقتصادية لديها ، ولم تنتعش أوضاع الناس المعيشية بل زحف الفقر المطلق والنسبي وأطبقا على ثلاثة أرباع المجتمع الموريتاني .
وهذا ما أدركته الجهات الوصية على الخوصصة ، ونصحت بمعالجة هذه الآثار والتداعيات الجانبية منذ سنوات في تقاريرها التقييمية تحت مسميات " مكافحة الفقر" ، ألم تتأسس مفوضية خاصة لمكافحة الفقر وكانت تابعة مباشرة لرئاسة الجمهورية ، وذلك بعد مرور عقد ونصف من برامج الخوصصة ، هذا أكبر دليل على أن هذه البرامج لم تحقق أهدافها إلا بصورة عكسية أبعدت هذه الدول عن يوم التنمية المنشود .. بل تفاقمت المشكلات الاقتصادية كالباطالة والاجتماعية كالجريمة المنظمة في المدن والاتجار في المخدرات والتفكك الأسري والقلق الدائم من المستقبل وتراجع المعنويات والتذمر من الوطن وإيثار الهجرة إلى الخارج.. ولك يا محفوظ وللقارئ الكريم أن يضيف من عندياته ما شاء من علامات غياب العافية والصحة عن المجتمع التي يعرفها الجميع .


الأمل الجديد:
مرت موريتانيا خلال السنتين الماضيتين بانقلاب عسكري ناجح كان خلاصة سلسلة انقلابات فاشلة قادت البلاد إلى أجواء من التوتر الامنى والاضطراب السياسي ، هل ترون أن موريتانيا دشنت طريق اللاعودة ؟

أحمد ولد نافع :
إذا كنت تقصد طريق اللاعودة إلى التوتر الأمنى والاضطراب السياسي اللذين يقودان بداهة إلى الانقلابات فهذا ما ندعو الله أن يحققه ، ولكن الأمنيات والدعوات في خانة ومآلات هذه الدعوات واستحالتها الى واقع معيش في خانة أخرى ،، إن سلسلة الانقلابات الظاهرة والمستترة لم تكن وليدة الصدفة ، بل إنها تفاعل واقع سياسي واقتصادي واجتماعي طيلة عقدين من الزمن من السير في بنيات طريق غير سالك البتة ، وبالتالي كان الانقلاب الناجح في الثالث من أغسطس 2005 هو النقطة التي طفح عندها الكيل ، والآن بعد ما تم إنجازه من تناوب عسكري ومدني على السلطة كان مبهرا للإخوة والأعداء على حد السواء برغم شوائبه الجمة ، يجب أن نبدأ رحلة السؤال والنقد والتمحيص حول ماذا نريد؟؟ وماذا انجزنا؟؟ أم ما لم ننجز ولماذا؟؟ وكيف ؟؟..
وتلك هي البداية الصحيحة لقطع طريق اللاعودة إلى الانقلابات وخطر غياب الاستقرار .. واعتقد أن الحالة التي عليها الدولة الآن ليست " مثالية" كما أشرت سلفا ، بدليل هذا التململ غير الآتي من فراغ بأي حال من الأحوال .. هذا القلق مدعاة للتنبه ومؤشر على خطر أو ربما خطإ يجب الالتفات إليه وليس القفز عليه إلى المجهول.

الأمل الجديد :
النظام التعليمي في موريتانيا يعاني الكثير من النواقص ، ما هي أبرزها في نظركم؟؟

أحمد ولد نافع :
سيكون ظلما كبيرا وافتئاتا على المنهج العلمي عرض حالة النظام التعليمي الموريتاني في هذه العجالة الصحفية ، لأن هذا النظام يعاني من أزمة تراكمت اسبابها منذ أربعة عقود حتى الآن والحبل على الجرار ..ومع ذلك فاعتقد أن حل أو حلحلة وضعية النظام التعليمي هو قضية مجتمع بأسره ، لابد من أن ينعقد العزم من كل أطراف العملية التعليمية ، بمعية صناع السياسة " أهل الحكم" ، على دراسة وضعية التعليم في موريتانيا ، لأنه سبيل تقدم هذه البلاد .. لابد من توفير الإمكانيات للمعلم الابتدائي ليقوم بمهمته ، ويجب قطع الطريق أمام الفكرة الخاطئة السائدة وهي أن التعليم هو فقط للمتردية والمنخنقة والموقوذة من الطلاب ، ففي ألمانيا حملة شهادة الدكتوراه هم أساتذة التعليم الابتدائي .. ولك أن ترى القمة السامقة التي وصلت إليها ألمانيا برغم الحروب وتقطيع الأوصال ، لولا صلاحية النظام التعليمي فيها ، الذي أورث ثروة بشرية بلغت شأوا بعيدا في التألق والابداع فأعطت شعبها تقدما ونماء وتطورا .. أما نحن فتردي التعليم لدينا .. وتردينا معه إلى هوة سحيقة من الجهل والأمية والسخافة بلا قرار .. فالتعليم هو البداية .. وبدونه سنظل نعاني كمعاناة سيزيف والصخرة !!
هل يعقل ما حدث في مسابقة تكوين المعلمين التي نجح فيها 7 فقط بمعني 0.007% هذه فضيحة بكل المقاييس ، وكذا نتائج الباكولوريا لهذا العام المخيبة للآمال ، ،
إصلاح التعليم يبدأ من الابتدائية وحتى الجامعة ، وليس معقولا أنه بعد قرابة خمسة عقود فإن جامعة واحدة وواحدة فقط غير مكتملة البنيان الأكاديمي حتى الآن ؟؟ أي مهزلة بعد هذه؟؟ في الوقت الذي غزت فيه أفقية التعليم العالي أرياف الجيران الأقربين ..يا سبحان الله


الأمل الجديد :
يبدو أن موريتانيا ومنذ الوقت الذي أعلن فيه عن اعتزام السلطة إنشاء حزب سياسي جديد قد بدأت تقدم على حالة جديدة من الاحتقان السياسي والأمنى ، ماهي أسباب ذلك في نظركم؟؟

أحمد ولد نافع:
أسباب ما نعتموه بالاحتقان هو أن الجميع ، بما فيهم أهل السلطة ، يعلم علم اليقين خطورة الخلط بين الحزب والدولة ، هذا يعني أن الحزب سيختصر الدولة في ذاته وتكون مواردها وإمكاناتها وقفا خاصا لهذا الحزب دون سائر الأحزاب ، وهذا " عود – غير- أحمد" إلى المربع الأول الذي أشرنا إلى ما أدى إليه من ويلات لهذا الشعب المسكين طيلة عقدين من الزمن إن لم يكن قبل ذلك !..
الدولة الموريتانية وما تملكه من ثروات ظاهرة وباطنة هي ملك للشعب الموريتاني بجميع فئاتة وأحزابه وقبائله وجهاته ، ليس فقط الموجودين حاليا أحياء ، بل إن الأجيال القادمة من وراء الغيب لها حق في هذه الدولة ومواردها وإمكانياتها ، وليس لأي كان أن يستأثر بهذه الموارد حتى ولو كان في السلطة ويحرم الباقين حتى ولو كانوا في المعارضة ، أو حتى ولو كانوا غائبين أو غير موجودين ..
هذه حقيقة ثابتة ولايمكن تجاهلها إلا ممن يؤمن بمبدإ لويس الرابع عشر :" أنا الدولة"! .. وقد ردت علي ذلك الثورة الفرنسية في 1798 م حين قوضت حكم الملكية وأوجدت الجمهورية في القرن الثامن عشر الميلادي ... وحيثما يوجد لويس الرابع أو الخامس عشر فتوجد ثورة شعبية بالمرصاد!..
إن ذلك لا يعني أن داعمي البرنامج الانتخابي للرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله ، سواء في الشوط الأول أو الثاني أو المستقلين أو مستقلي المستقلين أو المستقلين بعد ستة أشهر من عمل الحكومة ، ليس من حقهم الدستوري أن ينتظموا في حزب سياسي معين ، ولكن بشرط ألا يلغي هذا الحزب بقية الأحزاب أو يتصرف في الدولة تصرف المالك في ملكه ، هذا ما لا يجوز البتة ، والخوف منه هو الذي ولد موجة التذمر و الجدل المثير منذ ظهرت نوايا تأسيس الحزب الجديد .. وكان سيكون الوضع أخف وطأة لولا أن الوزراء والكتاب العامون في هذه المرحلة زاحمهم نظراؤهم في العهد المباد لتبوؤ اللجان التأسيسية للحزب ..وهذا ما أثار الإشكال أكثر ، بينما لو عهدت ، في البداية ، مسؤولية الإشراف على اللجان التأسيسية للحزب إلى نشطاء في الحملة الانتخابية للرئيس ممن لا توجد ملاحظات على سوابقهم في الفساد ، فأعتقد أنه كان سيكون هناك تفهم أكثر قبولا لحزب الأغلبية الرئاسية الجديد .
الأمل الجديد :
ماهي أبرز التحديات التي تواجه النظام الموريتاني الحالي ؟

أحمد ولد نافع :
لاشك أن إجابة هذا السؤال ستكون " تناصا" مع جوانب من الإجابات السابقة ، ومع ذلك فلا مناص من التذكير أن من أهم المشاكل التي تواجه النظام السياسي الموريتاني منذ الستينيات هو تحدى " بناء دولة قيم حديثة وعصرية " ، وبدء بحكومة عهد الاستقلال التي من المشاركين فيها الرئيس الحالي ، وربما ذلك من الأقدار العجيبة ، فإن جميع من توارثوا الحكم في " بلاد أنبية " بالتعبير التاريخي المحلي ، لم يؤسسوا لبنات حقيقية لهذه الدولة الحديثة العصرية ، إذ أن الموريتانيين لا يطلبون المستحيل وهم يرون الجيران يتقدمون بخطوات واثقة إلى الأمام ، رغم أن مواردهم أقل أحيانا من مورادنا ، وهذا ما يحز في النفس حقيقة .
إن حل الملفات العالقة " المبعدين ، ومخلفات العبودية ،..الخ" هي خطوات مهمة على الطريق ، ولكن الأهم من ذلك هو بناء دولة مؤسسات محترمة ومسؤولة ، ترفرف عليها رايات العدالة وتكافؤ الفرص ، وقيمة المواطن فيها بعمله ، لافضل فيها لعربي على زنجي إلا بالتقوى والعمل الصالح في خدمة عموم الشعب عربا وزنجا ..
ولابد من التفكير الجدي في تحسين وضعية الناس المعيشية ، حيث إن أكثر من 80% من الشعب الموريتاني لادخول لديهم لتأمين متطلبات الحياة الأساسية ( المأكل ، المسكن ، الملبس ، التعليم ، الصحه ..الخ) ، وإن التقاعس عن ذلك سيجعل البطالة والفقر يستعبدان شعبنا الموريتاني ، كما فعلوا في شعوب أخرى جنوبنا ونتائج ذلك نضرع إلى الله ألا نعيشها.. آمين .
ومن الخطوات "الاستعجالية" الممكنة في هذا السياق هو إعادة العمل بسياسة الدعم للسلع الأساسية ورفض متاجرتها أو المضاربة في أسعارها ، وهذه مسؤولية القطاع العام ( الدولة) لأن في ذلك نوعا من اعادة توزيع الثروة والانصاف الاجتماعي ، وفي دول العالم المتطور لا تزال الدولة حتى هذه اللحظة تقدم خدمات اجتماعية وتساهم بنسبة معتبرة في النمو ، ففي الولايات المتحدة مثلا ، فأن القطاع العام يساهم بنسبة 12.3% في الدخل القومي ، و يساهم القطاع العسكري لوحده ب27% من النمو الاقتصادي ، وقد بلغ الانفاق على قطاعات ( الادارة والتعليم والدفاع ) في فرنسا حوالي 11% من الناتج المحلي الاجمالي ، وفي بريطانيا 8% ، وفي المانيا 8% ، واليابان 24% ، والسويد 14% ، والنرويج 12% ، ....الخ .
لماذا لا يتم كبح جماح القطاع الخاص " قليلا" في النشاط الاقتصادي ؟ هل السبب هو كون القطاع العام تسبب في تخلف الادارة الاقتصادية ، فمن أين سيأتي القطاع الخاص بإدارة متقدمة وهو في بلد متخلف؟؟ هل سيسلم الاقتصاد لإدارة أجنبية مثلا ؟؟ وهل يتناسب ذلك مع دعاوي الاستقلال الوطني والسيادة والكرامة .. ؟؟
إن التحدي الحقيقي أمام الدولة الموريتانية هو ما تقدمه التقارير العالمية ، فعلي سبيل المثال ووفقا لما نشرته مجلة السياسة الخارجية Foreign Policy الصادرة عن معهد كارنيجي للابحاث بالتعاون مع صندوق التمويل من أجل السلام ، ما نشرته هذه المجلة عن القائمة السنوية للدول الفاشلة ، التي تواجه جملة من المشاكل هي : الطابع التسلطي لنظام الحكم ،واحتكار النخب الحاكمة للسلطة وغياب القانون وتدهور حقوق الانسان ، والفساد المستشرى في مؤسسات الدولة واستئثار قلة بالثروة الوطنية ، والاختلافات المذهبية ، ومشاكل النازحين واللاجئين .. وقد تضمنت القائمة 77 دولة ، غير أنها حددت 60 دولة كأسوء دولة فاشلة ، وقد تضمنت هذه الدول الثماني موريتانيا في المركز الخامس والأربعين التي احتلت هذه المرتبة بعد استحالتها الى أنموذج صارخ لإشاعة الاحزان الجماعية بفعل الغلاء المعيشي واستشراء الفساد والتفاوت الطبقي وشيوع احتكار الثروة من قلة قليلة ...الخ! كما أن تقرير الشفافية الدولية ايضا لهذا العام كان فضيحة كبرى للدولة الموريتانية التي باتت تنافس في صدارة الدول الأكثر فسادا وفوضوية وتبديدا للمال العام في العالم .. هذا هو التحدي الحقيقي ..كيف نسير بدولتنا إلى خانة الدول التي تخدم شعبها في حاضره ومستقبله ..دولة تحافظ على قيم العروبة والاسلام والأفرقة والحداثة في نفس الوقت ... ولابد أن يفهم الجميع أن التنافس الحقيقي هو على موقع من هو أكثر خدمة للشعب الموريتاني ، اليوم يخدمه من هو في موقع السلطة الحاكمة ، وغدا يخدمه غيرها من الموقع نفسه ، وهكذا دواليك يتناوب الجميع على خدمة هذا الشعب ، هكذا يفعل الآخرون وهكذا سنة الحياة .. والايام دول بين الناس .. ولو دامت لغيرهم ما وصلت إليهم!!..؟؟
الأمل الجديد:
تتحدث تقارير اقتصادية دولية عن أزمة عالمية قد تشبه أزمة الكساد الكبير في سنة 1929 ، ويصاحب ذلك أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة الأمريكية ، ما تأثير ذلك على أوضاع العالم الثالث خاصة ، وإذا علمنا أن الدول الغربية هي الأكثر استقطابا للاستثمارات المالية في العالم؟

أحمد ولد نافع :
أزمة الرهن العقاري التي حدثت في أمريكا ، وهي أكبر اقتصاد راسمالي في العالم ، أزمة لاشك أنها جدية وأصلها هو وجود قطاع اسكاني نشط حفز على مدى سنوات سابقة القطاع المالي وخصوصا الرهن العقاري ، وبدورها قامت مؤسسات الرهن هذه بتحويل قروضها إلى سندات مغطاة بأصول أهمها صناديق التحوط ، وقد تم بيعها إلى العديد من المؤسسات الأوروبية وأمريكا اللاتينية وآسيا، لكنه حصلت أزمة في السيولة المحلية وتراجع مفاجئ في القدرة الائتمانية للمقترضين الأمريكيين من مشتري العقار تجسدت في تعثر هؤلاء في تسديد التزاماتهم المالية إلى مؤسسات الرهن العقاري في بعض الولايات مما خلق أزمة ثقة في قطاع العقار برمته وفي مؤسسات التمويل الأمر الذي اضطر هذه المؤسسات للجوء إلى عمليات حبس الرهن العقاري أي استيلاء المقرض على العقار المرتهن وإعادة بيعه مرة أخرى لتصل إلى أرقام قياسية أذهلت الخبراء والمحللين الاقتصاديين . وصاحب ذلك ارتفاع أسعار الفائدة في أمريكا على نحو غير مسبوق، وانجرفت الأزمة إلى قطاع الاستهلاك وبالتالي الاستثمار مما قد يؤثر ذلك في معدلات النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة. ومن الطبيعي والحال هذا أن تقوم تلك المؤسسات الاستثمارية في داخل الولايات المتحدة وخارجها ببيع سنداتها للحصول على السيولة مما سيؤدي حتماً إلى انخفاض أسعارها وعوائدها. وفي هذا السياق، تشير التوقعات إلى أنه نظراً لشدة الأزمة فأنه حتى بعد زوالها سيبقى المعروض من العقارات في أسواق أمريكا وبالتالي أسعارها في حال تقهقر دائم ريثما يتم تصحيح الأوضاع واستعادة الثقة من جديد ، بل وتمكن مالكي العقار (المقترضين) من دفع أقساط الرهن إلى المؤسسات المالية المعنية وفك الحبس العقاري لتنشط الدورة الاقتصادية من جديد... ومن خطورة الأزمة أن إدارة بوش تدخلت فيها ولم تستطع تجاهلها ، مما يبين تداعياتها .
وبالرغم من أزمة الكساد الكبيرفي سنة 1929 التي أشرتم إليها في السؤال بدأت بداية مشابهة لأزمة الرهن العقاري ثم ما لبثت أن شملت العالم النشط اقتصاديا في حينها ، إلا أن بعض العارفين بأوضاع الاقتصاد العالمي يفرقون بين اللحظة الراهنة وأوضاع العالم في نهاية العشرينيات من القرن الماضي ، خصوصا في ظل وجود " مشاريع أقطاب" اقتصادية في الصين و اليابان ، مما يجعل من الصعوبة القول بإمكانية انتشار الأزمة عالميا . ومع ذلك تبقي الأمور مفتوحة على كل الاحتمالات ، فيما لو تفاقمت الأزمة على مستوي الاقتصاد الكلي الأمريكي .

الأمل الجديد :
هناك تكالب دولي على افريقيا من الصين شرقا إلى أوروبا وسطا إلى أمريكا غربا ، وذلك من أجل بسط السيطرة على ثرواتها ، كيف تبرز لنا تجليات ذلك الصراع ؟
أحمد ولد نافع :

ربما لأن القارة الافريقية هي قارة المستقبل ، لما تحويه من موارد واحتياطيات هائلة لأغلب المواد الأولية من النفط ومشتقاته التي ترقد في باطن الأراضي الافريقية ، والحديد ، والنحاس واليوارنيوم ،والجبس.. الخ ، كما أن الثروة البشرية بدأت تقترب حثيثا من المليار نسمة بمنتصف الالفية الحالية ، وتوسطها للعالم شرقه وغربه ، وإطلالتها على أهم المحيطات والبحار في العالم ، علاوة على أنها قارة " بكر" أغلب مواردها لم تستخرج حتى الساعة ، كل ذلك وغيره جعلها في عمق اهتمام العالم باسره ، من الصينيين إلى الأوروبيين( المستعمرين القدماء والجدد) ، والأمريكيين ، هؤلاء كلهم يتقاتلون في حرب لا تزال باردة حتى الآن على الأهمية الجيوسياسية واقتصادية للقارة السمراء ، ويجدون من الحروب الأهلية التي يشعلونها وكالة من خلال شركاتهم ووكلاء الرأسمالية العالمية فرصة للتدخل العلني والسري في شؤونها .
ومن أزماتها يجدون فرصة للاستثمار المربح ، فقضية دارفور ليس سرا أنها معركة اقتصادية بامتياز بين الشركات الصينية والشركات الأمريكية على نفط دارفور وخيراته .
كما أن الحرب على ما يصفه الأمريكيون بالإرهاب في العالم جعلتهم وهم الذين لا تفصلهم عن افريقيا إلا آلاف الأميال البحرية يجهدون من أجل تدريب الجيوش المحلية الافريقية على مكافحة هذا العدو الوهمي ، بل إن الرغبة في تحويل قيادة آفريكوم ( القيادة الأمريكية العليا في افريقيا) من ألمانيا إلى إفريقيا يتنزل في هذا الإطار من الرغبة في السيطرة العسكرية والسياسية على افريقيا تمهيدا لنهب " عولمي" لثرواتها وتأجيل نهوضها عقودا أخرى ...
ولكن يخطئ " الآخر" الذي يتصور أن أفريقيا لا تزال افريقيا الأمس القريب التي يخطط لها من وراء البحار ، فإفريقيا بدأت تلملم شتاتها ، وتؤسس " اتحادها" ، الذي يصالحها مع نفسها ، ويقدمها عزيزة قوية قادرة على أن تلتئم جراحها وتصنع غدها بنفسها وبالاعتماد على إمكانياتها الذاتية .. قد تكون هذه الحروب الأهلية والأمراض والتخلف والجهل هي مخاضات الولاد العسير لإفريقيا .. ولكن أعتقد أنه قد بدأ الميلاد الثاني لإفريقيا بعد ميلادها الأول وانتصار حركاتها التحريرية وهزيمة الاستعمار التقليدي وجيوشه الامبراطورية الجرارة .

الجمعة، مارس 21، 2008

تمبكتو .. تاريخ يشهد بالحضارة

.. مدينةٌ تأسست منذ القرن الخامس الهجري، اسمها "تمبكتو"، وضعتها الجغرافيا الحالية في شمال جمهورية مالي (غرب إفريقيا).. أما تاريخيا فكانت جزء لايتجزأ من بلاد شنقيط (أو بلاد التكرور)؛ كما تقول المصادر العربية، أما المصادر الغربية الاستشراقية فتصفها بأنها إحدى مدن السودان الغربي، ولكنها ليست ككل المدن، إنها مدينة يشهد تاريخها على حضارتها الزاهية.. أيامها.. حولياتها.. تثبت قدرة الإنسان على الفعل التاريخي بالإرادة بالوعي بالإيمان الذي لا يتزعزع بالله.. إذا صدق الرواة في حديثهم عن "تمبكتو"، فإن الحديث عنها هو حديث عن تاريخ الممالك والسلطنات والأطماع في كل اتجاه.. تاريخ الصحراء التي تستعصي على النظام.. تاريخ الحكام الأبطال التاريخيين.. وسرديان ليوميات الطغاة المستبدين..
تمبكتو تختصر الحديث عن الاستعمار منذ كان فكرة تدغدغ خيال –رحالة مغامر، أو بطولة يتوسمها قائد شجاع، وربما، لذلك كانت وظلت ولاتزال "الجوهرة اللغز" التي يحيل اكتشافها إلى مزيد من الاكتشاف.. وذلك ما تحاول نقاشه والتساؤل عنه وحوله هذه المعالجة العجالة.
ترجح روايات التاريخ الشفوي- غالبا-، والمكتوب –نادراً-، أن بناء مدينة تمبكتو قد بدأ منذ القرن الخامس الهجري على الأقل، وذلك على يد طوارق "إمقشرن"، الذين نحتوا اسم المدينة من اسم إحدى امائهم المشهورة، حيث كانت تستأمن على تخزين وحفظ الأمتعة والمؤن وغير ذلك من متعلقات القوافل الصحراوية. فقد كانت الأمةُ "بكتو" هي التي تقوم بذلك الواجب، فنسب المكان "تين" –بلهجة التماشق- إلى "بكتو"، فاختلط المكان بالإنسان موّلداً اسماً سيغدو مع الزمن "تمبكتو"، علمٌ يحفظه التاريخ بعد ذلك عن مدينة ذات شأن حضاري متميز حتى أيامنا هذه. (1)
وقد كان ذيوع أخبار "تمبكتو" تاليا على بوادر التراجع التي بدأت تعيشها جارتها مدينة "ولاته"، التي ظلت عقوداً إحدى أبرز العواصم الفكرية والحضارية لبلاد التكرور (أو بلاد شنقيط)، ويذهب الأستاذ الخليل ولد النحوي إلى أن مدينة ولته، ربما تكون قد تأسست منذ حوالي القرن الهجري الأول. (2)
كما أن الرحالة العربي المغربي ابن بطوطة قد زارها، وأسماها بـ:"أيولاتن". (3)
بالإضافة إلى أن العلامة عبدالرحمن بن خلدون قد أشار إليها عند حديثه عن واقعة خروج هدية الملك منساموسي للسلطان أبي الحسن المريني. (4)
هذا وقد شكّل انحسار الإشعاع الفكري والثقافي لمدينة ولاته، لأسباب عديدة لا مجال لها هنا، فرصة ذهبية لظهور مدينة "بديل" أخرى، فكانت تمبكتو هي المرشحة الأوفر حظا، التي نالت شرف ذلك التتويج.
وقد أشار عبدالرحمن السعدي إلى أن تمبكتو "ملتقى الفلك والسّيار، الذين جعلوها خزانة لمتاعهم وزرعهم، حتى صارت مسلكا للسالكين في ذهابهم ورجوعهم". ويضيف: "إن رجلا من شنقيط يسمى كي محمد نض قد تولى أمر تمبكتو في القرن التاسع الهجري". (5)
هذا وكان أول جامع يُبنى للصلاة في المدينة، هو مسجد سنكري، لايزال صامداً حتى اليوم، الذي تم تشييده على يد امرأة من قبيلة لقلال، ذات مال كثير، ويبدو أنها كانت مشتهرة في ذلك الوقت بأعمال البرّ، كما يقول عبدالرحمن السعدي. (6)
ويعتبر جامع سنكري، هو الجامع الكبير في تمبكتو، وقد تعاقبت عليه إمامة أسرة "أهل آقيت"، وهي الأسرة التي أنجبت العلامة الأشهر أحمد بابا التمبكتي، صاحب المائة تأليف، ومنها:
نيل الابتهاج بتطريز الديباج، وشرح الصغرى للسنوسي. (7)
كما ازدهرت الحياة العلمية والثقافية في المدينة، نظرا لوقوعها ضمن النطاق الجغرافي لبلاد التكرور، كما يؤكد ذلك التوصيف الجغرافي الذي وحدده العلامة الولاتي محمد بن أبي بكر الصديق البرتلي. (8)
وبلاد التكرور، تلك، هي التي انتشرت فيها الثقافة العربية الإسلامية، وازدهرت علوم اللغة على نحو كبير، وكانت الوسيلة المنهجية لتجذير الثقافة العربية هي المحاضر (وهي جامعات تقليدية)، زاد عددها في مدينة تمبكتو إلى أكثر من ثلاثمائة محضرة، احتوت على ثلاثين ألف طالب، ويلقي المحاضرات والدروس المتخصصة فيها خيرة علماء شنقيط ومفكريها الذين توافدوا على تمبكتو الواعدة، بعد أن بدأت مدينة ولاته تفقد بريقها السابق.
وبالنظر إلى موقعها المميز على حافة الصحراء الكبرى قرابة ساحل نهر النيجر، فقد كان لزاما على مدينة تمبكتو أن تلعب دوراً تجارياً مميزاً، أهّلها لتغدو عاصمة تحط بها رحال الركبان القادمين من الفيافي والقفار، ليتزودوا بالمؤونة التي تعينهم على الانتجاع وراء قطعانهم الجائلة في الصحراء.
ويشير الشيخ العلامة الأرواني إلى قدوم الكثيرين من شتى القبائل والأمصار إلى مدينة تمبكتو، واختيارها كموطن للثواء الدائم، خصوصا أولئك القادمين من مصر وفاس ومراكش وتفلالت وغدامس.. إلخ، وقد وصل الأمر حدّاً جعل كل مجموعة من أولئك تختص بحي يأخذ اسمها، حيث كان هناك حي الغدامسة، وحي المراكشية، وهكذا دواليك. (9)
وليس ذلك التنوع بالشيء الغريب، حيث من المعروف أن منطقة الصحراء الكبرى ظلت مجالا حضاريا زاخراً بالوحدة والتنوع والاتساع والتفاعل، حيث ذوت كل الفوارق والحدود، وأصبح التواصل قاعدة عامة بين جميع الحواضر والمجموعات البشرية، ولهذا كان كل ركن – مهما كان قصيا- يختصر في حيزه كل مكونات الفضاء الصحراوي الكبير.
وبعد أن ملكها التوارق (أو الطوارق) ردحاً من الزمن ، و دالت دولتهم ، وانزياح تأثير الدولة المرابطية إلى الشمال (مراكش ومابعدها)، فإن مدينة تمبكتو ظلت إحدى المدن الرئيسية لامبراطورية السنغاي، التي من أهم ملوكها الملك منساموسي، الذي يصفه الأرواني بأنه أول ملك حقيقي للسودان! (10)
ثم بعد ذلك ورث الحكم في شبه المنطقة دولة "الاسكيات"، ومن أبرزهم داوود بن الاسكيا الحاج محمد، الذي يقال أن عمارة تمبكتو قد اكتملت نهائيا في عهده. (11)
والاسكيا الحاج محمد، هو صاحب الحجة الشهيرة التي رافقه فيها سنة 1497م الكثير من العلماء الأعيان، من بينهم المؤرخ الشهير محمود كعت، الذي رُويّ عنه أنه تصدّق فيها على فقراء الحرمين بمائة ألف دينار ذهبي، والتقى في تلك الحجة بالكثير من علماء ذلك الزمان، وفي مقدمتهم جلال الدين السيوطي شارح القرآن الكريم. (12)
واستمرت تمبكتو في العطاء الحضاري قرونا طويلة ظلت إلى جانب كونها مدينة عمارة وحضارة تمارس فيها الكثير من الفنون والصنائع كالخياطة والتجارة والحدادة والجزارة والدباغة وصناعة الذهب والفضة.
كما ظلت –أيضا- مدينة العلوم والمعارف الإنسانية التي تضطلع بدور ريادي لايقل عن الدور الذي تلعبه اليوم جامعات كمبريدج والسوربون وهارفارد. (13)
لكن تمبكتو بدأت تعاني منذ توالي الرحلات الأوروبية "الاختراقية" منذ القرن السابع عشر، إلى أن وطأت أقدامهم أرضها – مستعمرين- لأول مرة في سنة 1894، حيث ساهم الأوروبيون في طمس كل معالم الحضارة والثقافة في تلك المدينة الخالدة، وليس بالصدفة أن تعلن منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم أن المدينة تراث إنساني خالد، وذلك بالنظر إلى ما قد وجد مطموراً تحت رمالها وبيوتاتها المبنية من الطين والخشب حوالي مليون مخطوط وكتاب ترجع إلى أزيد من ألف عام، وكلها مكتوبة باللغة العربية الجزلة، وتتناول مواضيع متنوعة من الشريعة الإسلامية إلى الفلك والحساب والطب والشعر والأدب والمنطق والفلسفة.
ويعود ذلك الجهد العلمي المميز إلى العلماء والمفكرين الذين ترجموا الكثير من آثار الثقافة الإفريقية المحلية، وحفظوها من الزوال خدمة للأجيال اللاحقة معرفة وذكرى واعتبار. غير أن نكبة الاستعمار جاءت على ذلك كله، ودمرته تدميرا جعل بعض الأفارقة اليوم يعترون –جهلاً- بمقولة أن لا تاريخ مكتوب للفكر والثقافة في إفريقيا!
وربما يكون ما فعله الأوربيون لايعدو أكثر من كونه انتقاماً وثأراً من التاريخ، حيث إنه في الوقت الذي بلغ الازدهار الفكري والعلمي أَوَجَهُ في تمبكتو، كانت أغلب الدول الأوربية، أو بالأحرى، الحواضر، لاتزال تترنح تحت وقع تداعيات عصر الاقطاع الكنسي وتبعاته الكابحة للتطور.
ويسجل التاريخ لعلماء تمبكتو اعتراضهم على الاجتياح المغربي لها في عهد السلطان المنصور الذهبي في أواخر القرن السادس عشر، وذلك حين أكدّوا له أنه: ليس في القرآن الكريم أي إشارة تسمح لقوات إسلامية باجتياح مجتمع مسلم واستعباده. (14)
ويدّل ذلك على تجذّر ثقافة الاعتدال والتسامح التي كانت مسيطرة في تمبكتو، وهذا ما تبرهن عليه-بلا جدال- المخطوطات و الآثار المتوفرة، حيث ثم العثور على مخطوطات يهودية في مكتبات تمبكتو، وهذا يعني أن اليهود أقاموا فيها آمنين، كما أقاموا في حواضر إسلامية أخرى كثيرة، في القاهرة وقرطبة وبغداد ومراكش، بل أكثر من ذلك، فإن الحفريات أكدّت على العثور على بقايا الكنيس اليهودي الذي كان موجوداً في تمبكتو، وقد هدمه الغزاة الأوروبيون بعد احتلالهم المدينة، في ذروة انتشار موجة العداء لليهود في أوروبا في القرن السابع عشر. (15)
إن بقاء الآثار اليهودية في تمبكتو يؤكد على أن الحضارة العربية الإسلامية، حضارة متسامحة وليست استعلائية ولا اقصائية، وهي وحدة واحدة لا تتجزأ قيمها الحضارية، سواء تعلق الأمر ببغداد أم بخارى أم شنقيط أم تمبكتو، لأن المعين الذي تنهل منه هذه الحضارة واحدٌ ومتناغم ومنسجم.
ولقد وصف الحسن الوزان- Leon Africain – مدينة تمبكتو، كما زارها في القرن السادس عشر، أن منها عدداً ضخماً من القضاة والأئمة، والأدباء الذين يحظون بتعظيم خاص، وفيها مخطوطات كثيرة يباع الواحد منها بوزنه ذهبا، وهذا ما جعل تجارة الكتب ونسخها أكثر أنواع التجارة رواجاً في تمبكتو. (16)
أما الشيخ الأرواني، الذي تقدمت الإشارة إليه، وإنه يقول إن مقام تمبكتو من السودان، كمقام الوجه من الإنسان. (17)
بينما يجزم المؤرخ محمود كعت في "فتاشه" أنها لم تدنس بعبادة الأوثان قط، ولا سُجِدَ على أديمها لغير الرحمن. (18)
ولايمكن في معرض الحديث عن هذه الحاضرة العلمية العربية والإسلامية، إلا أن نشير إلى أنه وبالرغم من ذلك كله إلى أن ثقافة المجتمع "التمبكتي"، التي هي أشبه – كما يقول أحمد جمال ولد الحسن- بثقافة طبقة ممتازة من الفقهاء، إلا أن ذلك لم يجعل المجتمع بقادر على التعرب الكامل، نظرا لظروفه التاريخية الخاصة!!
ويتكون المجتمع "التمبكتي" – تاريخيا وحاضراً- من أخلاط إثنية وعرقية من التوارق والعرب (الصنهاجيين والقرشيين)، والزنوج (السوننكي، الهالابولار، البمبارا، الماندينغو... إلخ).
ولا يزال الواقع الديمغرافي حتى اليوم يزخر بذلك الفيسفاء الاجتماعي، الذي هو مصدر قوة وفرادة مدينة تمبكتو وسحرها، وربما لذلك ظلّت ولا تزال موئلا للكثير من الباحثين عن حضن الاجتماع وعبق التاريخ وإنشاء الجغرافيا. وإن كان الغربيون قد سحرهم تاريخها وماتوا في الطريق إليها أو بعد الوصول إليها، فإن أحفادهم في الألفية الجديدة، وبعد ثلاثة قرون قد ورثوا ذلك الغرام بتمبكتو، وهاهم يحرصون على تسجيل الزيارة السياحية إليها سنويا، يفتشون بين الأطلال والرمال عن مخطوط أو أثر يحكي شيئا ولو يسيرا عن تاريخ المكان وعُمّارة.
إن المنزلة التاريخية التي تحتلها هذه المدينة هي التي قد تفسّر الاهتمام "المشبوه" من الكثير من المنظمات اليهودية (الصهيونية) بتاريخ اليهود في تمبكتو، ليتم نفض الغبار عنه، وتقديمه وتجميله في صورة براقة، كمحاولة أبعد ما تكون عن البراءة لإعادة قراءة تاريخ المدينة الحضاري وفقا لمنهج صهيوني، غرضي.
بدأت ترّوج له أوساط إعلامية يهودية، ومن الأمثلة عليه إعادة تنسيب قبائل تمبكتو يهوديا!. ولعل ذلك ما يفسرّ الرحلات الدائمة لسياح صهاينة، على شكل شخصيات رجال أعمال واقتصاد، بل إن السفير الصهيوني في ساحل العاج قد قام بزيارة إلى الدينة في الفترة الماضية!
كما أن نشطاء من اليهود الأمريكيين تبنوا حملة واسعة في الإعلام الأمريكي لانتشال مدينة تمبكتو من "الضياع في الصحراء"!
وتكفي زيارة خاطفة إلى هذه المدينة ليلاحظ المرء الأعداد المتزايدة من الأوروبيين والأمريكيين في فنادقها ودورها المتواضعة، في ظل غياب شبه كلي للزائرين العرب والمسلمين، ولن يكون من الحداثة أبداً أن تلتقي الكثير من أبناء هذه المدينة وهم ينتشون فرحا بالأغاني والصراعات الأجنبية، ولا يكادون يرون لك شيئا ذي بال عن التاريخ الحضاري لآبائهم وأجدادهم! ولولا أن أولئك الرجال العظام أقوى من الزمن والنسيان، وتركوا من الآثار المادية ما يبرهن على جسارتهم وكبريائهم، لتسربت الشكوك والأوهام حول تفسير الهوة المتزايدة بين الماضي المشرق والحاضر المأزوم.. والمستقبل المحرج!
إن أزمة تمبكتو هي عرض من أعراض أزمة أمتها الإسلامية العريضة.. ولن يكون من السهل إعادة الاعتبار لهذا التاريخ الشاهد على بناته، إلا بالوعي والمعرفة المعززين بالإرادة، وقد يكون الهدف البحثي لدراسة وإخراج مخطوطات تمبكتو أحد المداخل المهمة لتفشيل رهان ضياعها وسط الصحراء، كما حدث مع الكثير من المدن التاريخية في الصحراء الكبرى، وفي مركز أحمد بابا التمبكتي في قلب المدينة ثروة علمية تحتاج إلى الصون والحفظ. من عاديات الزمان، وفي الكثير من المكتبات العائلية في المناطق المجاورة في ولاتة والنعمة وغيرهما الكثير من تلك المخطوطات التي تحكي عن مرحلة هامة من التاريخ.
وفي المنتهي يمكن القول إن شباب وشابات تمبكتو، الذين يروى لهم التاريخ – بكل تجرد- قرونا من الحضارة والثقافة الإسلامية القريبة والإفريقية، حين يتطلعون إلى زوار مدينتهم، فلا يكادون يعثرون على أي عربي أم مسلم، سيصيبهم اليأس والخَوَرُ من كتبة التاريخ وناقليه، إذ كيف يشهد التاريخ على هذه الحضارة، وبها دون أن تتم ترجمة ذلك على الأرض علما، واهتماما،و هما لدا الغرب والمسلمين؟و كيف يغيب الأنا ويحضر الآخر؟ أسئلةٌ تتناسل أسئلةٌ مع الأيام بدون إجابة نهائية.



الإحالات:
1- مولاي أحمد بابير الأرواني: "السعادة الأبدية في التعريف بعلماء تمبكتو البهية"، دراسة وتحقيق الهادي الدالي، (طرابلس، جمعية الدعوة الإسلامية، 2001)، ص51.
2- وحول الدور التاريخي لمدرسة ولاتة العلمية، يمكن الرجوع إلى:
المختار ولد حامد: "حياة موريتانيا- الحياة الثقافية"، ج2. (تونس، الدار العربية للكتاب، 1990)، ص199،208،211-229.
3- رحلة أبن بطوطة، وموجودة على موقع الوراق على الانترنت:
www.alwaraq.net
4- عبدالرحمن بن خلدون: "ديوان العبر"، (بيروت، مؤسسة جمال للنشر والطباعة).
5- عبدالرحمن السعدي: "تاريخ السودان"، (باريس، إصدار اليونيسكو، 1964).
6- المرجع نفسه، ص74.
7- أحمد بابا التمبكتي: "نيل الابتهاج بتطريز الديباج"، (طرابلس، جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، 1989)، ص4.
8- الطالب محمد بن أبي بكر نبان البرتلي: "فتح الشكور في معرفة أعيان وعلماء التكرور"، تحقيق الهادي المبروك الدالي، (طرابلس، 2000)، ط2.
9- مولاي الأرواني، سبق ذكره، ص51.
10- المرجع نفسه، ص58.
11- علي محمد عبداللطيف: "تمبكتو أسطورة التاريخ"، (طرابلس، جمعية الدعوة الإسلامية، 2001)، ص95.
12- المرجع نفسه.
13- المرجع نفسه.
14- محمد السماك: "الأمير والأمة"، صحيفة المستقبل اللبنانية، العدد 1864، بتاريخ 18/مارس/2005. ص15.
15- المرجع نفسه.
16- السعدي، سبق ذكره.
17- مولاي الأرواني، مرجع سابق الذكر.
18- الفغ محمود كعت: "تاريخ الفتاش في أخبار البلدان والجيوش وأكابر الناس"، نشر هوداس ودلافوس، اليونيسكو، باريس،1964.

الأربعاء، مارس 19، 2008

هل تستجيب قمة تونس العربية في 2005 لتساؤلات المرحلة

تهفو الأنظار إلى تونس الخضراء التي تلتئم فيها القمة العربية " الملغية ؟ أو المؤجلة" منذ مارس الماضي نظرا لبروز خلافات يبدو أنها " جدية" على ترتيب موضوعات جدول الأعمال حينا وعلى حجم الإهتمام بها والحضور من حيث الأصل حينا آخر.. ومع أن مؤسسة القمة من أقدم وأجذر المؤسسات العربية وذلك بعد مضي أكثر من ستة عقود على أول قمة عربية في مدينة الاسكندرية المصرية في سنة 1944 ، فإنه لم تترسخ بعدُ قيمتها السياسية والأدبية في الحياة الفكرية العربية كماهو الحال في قمم الأرض الاخرى ، حيث ظلت شكلا بلاجوهر وعنوانا بلامضمون وإسما من غير مسمى ، بل وأكثر من ذلك فإنها تكاد تكون استمرارا لعقلية " سوق عكاظ" البدوية التقليدية حيث الكلام صناعة والشعر وقرضه حرفة وبضاعة ، أما العمل والفعل فلامكان لهما في " ثقافة عكاظ" وربوع الجاهلية العربية!
تأتي قمة تونس الآن ..قمة اصحاب الجلالة والسمو والفخامة والنيافة وهم في وضع لايحسدون عليه بعد أن تمت الإطاحة برئيس عربي لدولة مشرقية تحت نير الغزو الأمريكي ، وكذلك بعد أن وضع رئيس عربي آخر منذ ثلاث سنوات رهن الاحتجاز والتهديد بالقتل العمدي في اية لحظة من دولة اسرائيل الصهيونية رغم كونه منتخب من شعبه وتحت إشراف دولي!!..
.إنها لحظة استهداف لاغبار عليها لكل ماهو عربي سواء كان فكرا وثقافة من طرف القوى المهيمنة على العالم ، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية التي لم تحجب دعوتها في تفكيك المنطقة العربية من المحيط إلى الخليج لتعيد تركيبها في " كانتونات مهترئة" اشبه ماتكون بدويلات ملوك الطوائف في الأندلس منذ قرون ، ولم يخجل أو يتردد الساسة المحافظون الجدد في أمريكا في كشف حقيقة نواياهم ، وهل هناك مايدعوهم أصلا- إلى المداراة في ذلك؟ بل جاهروا بأجندتهم واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار حول ما يدعونه " ديمقراطية " و " إصلاح" و " محاربة الإرهاب" ..
وتحت تلك المسميات الفضفاضة قاموا بغزو العراق ليكون المحطة الأولى لتجربة المشروع الأمريكي المزمع تجسيده عربيا .. فماذا ستفعل قمة تونس؟ هل ستعلن الشكر الموصول لأمريكا على دفعها العرب دفعا إلى كل تلك " المحاسن" حتى ولو كانت تمر عن طريق الاحتلال وخوذات جنود " الكاوبوي"! إن المنطقة العربية منكوبة في العراق وفلسطين وسوريا التي رزحت منذ فترة قصيرة تحت جريرة " قانون محاسبة سوريا" ، وفي كل تلك الأوضاع المكارثية فإن العامل الموضوعي المسبب هو أمريكا سواء قامت بذلك مباشرة كماهو شأن العراق وسوريا ، أو نيابة ووكالة كما هو الشأن في الحالة الفلسطينية حيث تقوم بالدور المرسوم بكفاءة اسرائيل التي حولت فلسطين إلى شلال نازف من الدماء منذ خمسين عاما ولازالت حتى اليوم.
وقد يكون ذلك جزء ميكروسكوبي من صورة التحديات الخارجية التي تعاني منها المنطقة العربية ، أما على السمتوى الداخلي فإن العدوان ليس بأقل شراسة ورافة بالجماهير العربية التي أخذ منها اليأس كل مأخذ بعد أن تحصلت الدولة القطرية العربية بجدارة على شهادة إفلاس وفشل ذريعين في النهوض والتنمية على جميع الصّعد ، وتكفي جولة خفيفة في أي شارع عربي ليدرك المرء حجم الأزمات الموسومة على وجوه الملايين ولسان حال القوم أمام الخطوب المدلهمة وصف العلامة إبن النحوي في مطلع قصيدته الشهيرة " المنفرجة" : اشتدي أزمة تنفرجي قد زاد ليلك في البلج وقد يبادر قائل لماذا هذه النظرة السوداوية المتشائمة؟ببساطة أليس في ذلك جزء من الحق إن لم يكن كله ، والله لايستحي من الحق ، ولذلك فإن أية قمة عربية لا تأخذ فهرس الواقع العربي بكل تفاصيله لن تكون أكثر من اجتماع رمزي يضر أكثر مما ينفع..
ويري بعض المحللين أن مؤسسة القمة العربية هي المولود الطبيعي للنظام الاقليمي العربي المتثل سياسيا في جامعة الدول العربية التي كانت " شاهدا" على جميع الأزمات التي عصفت ماضيا ولاتزال بالأمة العربية بداية باستيلاب فلسطين 1948 ، والعدوان الثلاثي على مصر 1956 ، ونكسة حزيران 1967 ، والحرب الأهلية اللبنانية 1975 ، وحرب السيادة على الصحراء الغربية 1976 ، وكافة حروب الخليج : العراقية الايرانية 1980-1988 ، والحرب الأولي 1991 ، والحرب الأخيرة 2003 اضف إلى ذلك سلسلة لانهائية من الحصارات مثلا : على مصر في عهد عبد الناصر ، او حصار الجماهيرية والعراق وحاليا سوريا.. كل ذلك تم في "حضور" الجامعة العربية فهل يمكن اتهامها بالتواطؤ؟
إن القمة العربية إذا كانت عربية فعلا فينبغي أن تكون موجهة أساسا ورأسا لدراسة كافة الأوضاع العربية وترتيبها و قراءة المشاكل التي تئن منها الأمة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا وفكريا ، والبحث في الاجتهاد لها بحلول "صحيحة" على مستوي التحديات.والقمة العربية ليست منعقدة في المريخ بل هي فوق كوكب الأرض لهذا لايمكن أن تغض الطرف عن لغة العصر ، لغة التوحد والتكتل بعد أن ولى عهد الدولة الوطنية ، وجاء على أنقاضه عهد الفضاءات العملاقة والتكتلات الضخمة ، وهو ما جعل كل شعوب الارض ودولها تسعى إلى الدخول إلى فضاءات كبيرة حتى تضمن الحياة قبل أن يجرفها الطوفان العارم من التحديات التي تفوق قدرتها المحدودة في النهاية على التحمل، وليس الاتحاد الأوروبي ببعيد بل هو جار شمالي للعرب جعل أكثر دوله وكلها دول متقدمة صناعيا وتكنولوجيا تستحيل إلى دولة واحدة عملاقة بجواز سفر موحد لاحديث بعده عن البوابات والاسوار العازلة !..
كذلك الاتحاد الإفريقي يمضي في نفس الفكرة والتوجه رغم الصعاب الكؤود والعراقيل الجدية والعرب مشاركون ولاعبون رئيسيون فيه بأكثر من ثلثيهم.. ناهيك عن بقية الاتحادات الأخرى ( الآسيان) في آسيا ، و ( النافتا) في أمريكا الشمالية .. الخ كل تلك الامثلة تقف حية ناطقة أمام القمة العربية تلقي عليها دروسا صارمة ومفيدة تستطيع بها أن تنقذ دولها وشعوبها من خطر الانقراض.
إن ذلك هو الجسر الذي تنتقل عليه القمة إلى طموحات الجماهير العربية من انواكشوط إلى صلالة ، وجدول الأعمال المفروض أن يوضع أمام القمة هو باختصار وبلا مقدمات هو : نكون أو لانكون؟!! إما أن العرب واعون ومدركون لخطر العدوان الخارجي والداخلي عليهم ومايستهدفه ذلك من وجودهم الحضاري والتاريخي ، وإما جاهلون وغافلون وسادرون في سوق عكاظ مع مايدل عليه ذلك من استمرار تجرعهم جميعا نخب كأس الاذلال والمهانة الذي لن >ينجو منه حتى الصعاليك منهم! ومثلما أسلفنا فإن العامل الموضوعي في الأزمات التي يكابدها العرب اليوم هو تبعات سياسات صقور الولايات المتحدة ، وهنا لابد أن تكون قمة تونس واضحة في ذلك سواء اختارت استمرار رمي كل البيض في السلة الأمريكية مع تحمل نتائج ذلك ، أو سواء أرادت أن تنقط كافة الحروف الأبجدية لتقول للادراة الأمركية (إدارة المحافظين الجدد) : كفى! .. لقد بلغت الأوضاع منتهاها ولابد من وقفة مراجعة وجردة حساب بين العرب وامريكا.
واذا كان العرب يحتاجون إلى أمريكا ، فإن حاجة الأخيرة اليهم أكبر بكثير سواء عند حديثنا عن " نفطهم المجاني" لها وهو - لايخفى - عصب ماكينة الاقتصاد الأمريكي ، أو بصورة أخري لو تحدثنا عن الأموال العربية " المهاجرة" الى الجنان الأمريكية .لذلك فإن من مصلحة الأمن القومي الأمريكي أن تكون العلاقات مع العرب طيبة وجيدة وتسير بدون " منغصات" وهي لايمكن أن تكون كذلك وأمريكا تدخل كطرف رئيسي في الصراع الدائر بين العرب والصهاينة من خلال دعهما " الحاتمي" لاسرائيل منذ خمسين عاما بداية بالاعتراف بها بعد دقيقتين فقط من اعلانها سنة 1948 وحتى يومنا هذا حيث توفر لها المال والسلاح من دافع الضرائب الأمريكي سنويا ، بل وأكثر من ذلك تحميها دوليا في الأمم المتحدة بــ:" الفيتو" من أية مساءلة أو إدانة .
وهذا ظلم كبير ترتكبه أمريكا في حق العرب يدل على صدود إدارة بوش ورفضها لأي تعاون ايجابي مع العرب ، وهذا ماينبغي أن تقوله قمة تونس بلامواربة وبكلام جلي لايقبل اي تأويل . وختاما هل يسعفنا المجتمعون في تونس الخضراء في تقديم إجابات شافية ومقنعة عن بعض تساؤلات المرحلة التي يعيشها عرب هذا الزمان ، وهي أسئلة من قبيل :
هل تكون قمة تونس مثل قمة الخرطوم التي ردّ بها العرب على النكسة بلاءاتهم الشهيرة " لاصلح ولا اعتراف ولاتفاوض مع الكيان الصهيوني"..؟ وهل تستطيع قمة تونس أن تخرج على النص وتكون فرصة لاعلان مواجهة تداعيات السياسة الامريكية على المنطقة العربية ؟ أم أن الاجندة الرئيسية صممت لتراعي منطق الشرق الأوسط الكبير ومفاهيم الديمقراطية والاصلاح و الحرب على الارهاب ؟ وهل سترى القمة العراق محتلا وسوريا محاصرة وفلسطين نازفة ..أم ستظل وفية لفكر الشجب والاستنكار اللفظي المضحك المبكي؟ وهل .. وهل!!

قمة الاتحاد الافريقي في سرت 2005 : تقدم أم تراجع؟؟

من أبوجا إلى سرت الثالثة إلى الخرطوم قمم تتوالي للإتحاد الإفريقي ، وتتدحرج معها القضايا والمشكلات التي تقض مضجع القارة الإفريقية ، ويظل السؤال إلى أين يسير الاتحاد الافريقي ..خصوصا بعد مرور نصف عقد على إعلانه في سرت الأولى يوم9-9-99.. وهل صحيح أن الأفارقة قادرون على أن يجعلوا القرن الحادي والعشرين ألفية للقارة السمراء؟إنها تساؤلات كبيرة ، لأنها بحجم قارة مثل القارة الافريقية التي تمتد في الزمان منذ قرون سحيقة لايعرف لها تاريخ دقيق . وتساؤلات صعبة ، لأنها تلامس قضايا بلغت من الجذرية والراهنية حدا دفع المتشائمين إلى اليأس المسبق من أي مستقبل لساكنة هذه القارة. إلا أن التشاؤم والتفاؤل محكومان في كل الأحوال بظروف العلم والواقع بالظاهرة المعينة. وبالتالي لن يكون بالمستطاع الإجابة القطعية على هكذا تساؤلات . ولكن تقريب الصورة ومحاولة فهمها سيكون أجدى لتكوين فكرة ما عن حاضر ومستقبل افريقيا.
لاشك أن فكرة توحيد القارة الافريقية سياسيا واقتصاديا، وتقريبها من بعضها البعض فكريا وثقافيا واجتماعيا، هي أهم طوبي ثورية داعبت خيال جيل الاستقلال لاشك أن فكرة توحيد القارة الافريقية سياسيا واقتصاديا ، وتقريبها من بعضها البعض فكريا وثقافيا واجتماعيا ، هي أهم طوبي ثورية داعبت خيال جيل الاستقلال ، من أمثال جمال عبد الناصر الذي أشار في " فلسفة الثورة" سنة 1953 إلى الدوائر الثلاثة للعمل السياسي الوطني ، ومنها الدائرة الافريقية . كما برزت طروحات " الأفرقة" لدى كبار المناضلين مثل كوامي نكروما وسنغور ,وأحمد شيخو توري ، ولوممبا ..وغيرهم .إلا أن أقصى تجسيد مقبول واقعيا لتلك الأفكار الجميلة كان هو تأسيس منظمة الوحدة الافريقية في 25 مايو1963 ، وهي المنظمة التي نهضت بأعباء أدوار جيدة وتتناسب مع مرحلة مابعد الحرب العالمية الثانية ، باعتبارها آخر قلاع الاستعمار المباشر بجيوشه وجحافله الجرارة ، ولهذا كان أقصى ما يمكن القيام به من المنظمة الوليدة هو استكمال معركة التحرير الوطنى وتصفية الفصل العنصري وبقاياه في جنوب القارة ، والسعي لبناء سيادة وطنية ( ولو شكلية) من علم ونشيد وطنى وحكومة ( ولو من المترجمين وأعوان المستعمرين في بعض الحالات..!).
وبذلك ظلت المنظمة بمثابة أهم ناد سياسي للقارة السمراء ينعقد سنويا ويحضره القادة والزعماء وممثليهم ليمهروا الاتفاقيات والقرارات والقوانين من أجل مصلحة دولهم وشعوبهم. وبغض النظر عن فعالية المنظمة وجديتها في القدرة على التصدي للمشاكل المزمنة التي اكتوت بنارها دول القارة على مدى عقود من عمر المنظمة ، حيث بلغت الانقلابات العسكرية خلال الفترة 1963-1999 أزيد من ستين انقلابا عسكريا ، وهو ما أدّى إلى زعزعة الأمن والاستقرار ونشوب الحروب الأهلية والقبلية ، كما انتشرت الأوبئة الفتاكة والأمراض المستعصية التي تحصد أرواح الأفارقة بالملايين ، أما شيوع الفساد الإداري وفشل برامج التنمية الاقتصادية وعدم العدالة في توزيع الدخول بين دول القارة وداخل الدولة الواحدة ، كل ذلك ظل عناوين بارزة تصدرت الصورة الإعلامية كلما جاء الحديث عن افريقيا وأهلها .. ولذلك هاجرت العقول والأدمغة الإفريقية بالجملة ، إذ ترى بعض الإحصائيات المتخصصة أنها تصل إلى ثلاثين ألف أفريقي من مهندسين وأطباء وحاملي مؤهلات جامعية عليا بدرجة الماجستير والدكتوراه!ولعل ذلك يعكس جزء ميكروسكوبيا من التركة الثقيلة التي أورثتها منظمة الوحدة الافريقية لوليدها الناشئ الجديد " الاتحاد الافريقي" ، وكانت تلك التركة هي الرصيد " التاريخي" الذي أسست عليه الطموحات الجديدة والمشاريع الضخمة والآمال العِراضْ التي يوصلها البعض إلى احتمالية إنشاء الولايات المتحدة الافريقية.إن ميلاد هذا الحلم الكبير لم يكن سهلا على الاطلاق ، بل إنه كان أشبه بمعجزة من السماء ، إذ كيف يتصور أمام اللوحة التى رسمت بعض ملامحها آنفا أن تتلاقي إرادات الدول التي تفوق الخمسين دولة للقبول بخلق إطار اتحادي جديد يجبُّ ما قبله ، ويكون بداية معارك سياسية واقتصادية جديدة من أجل تطوير القارة وتحديثها .
ولكن هذا ما حصل وبتسارع مثير للانتباه والشفقة في آن معا .ولقد كان العقيد القذافي هو صاحب الدعوة الأبرز إلى تأسيس الاتحاد الافريقي ، وكان ذلك على هامش قمة الجزائر في صيف سنة1999 ، حيث وجه الدعوة إلى قمة استثنائية بعد خمسة وأربعين يوما في مدينة سرت الليبية الساحلية ، وهي القمة التي أصبحت تعرف بــ :"قمة إعلان الاتحاد الافريقي 9.9.99" ، حيث نوقشت فيها وضعية المنظمة ، وكيف أنها كانت خطوة تاريخية في حينها وظروفها ، إلا أنه بعد انهيار القطبية الدولية والحرب الباردة ، وانسحاب الاتحاد السوفيتي إلى إرشيف التاريخ ، وانفراد أمريكا بالساحة الدولية كلاعب رئيسي شبه منفرد بإحداثيات السياسة العالمية ، وظهور منطق التكتلات المتعملقة التي يكون أمامها مصير الدول- مهما كانت- مهددا بالزوال ، فإن الاستمساك بالمنظمة يعدّ غير ذي جدوى بل ومعطل أمام إمكانية تجاوز القارة لمشكلاتها البنيوية العميقة.
وهنا بات الاتحاد الافريقي هو البديل المقبول والواقعي للرد على التحديات المستجدة والمستديمة وهنا بات الاتحاد الافريقي هو البديل المقبول والواقعي للرد على التحديات المستجدة والمستديمة ، وذلك ما عكسه القانون التأسيسي للإتحاد الإفريقي الذي أظهر كل تلك الهواجس في شكل أفكار تم نثرها وتجسيدها في سبعة عشر جهازا تتضمن السياسة الداخلية والخارجية للقارة في مجالات السياسة والحكم الرشيد ، ( مجلس الرئاسة ، وبرلمان عموم افريقيا ، المجلس التنفيذي ، ومجلس الأمن والسلم الإفريقي ، والاقتصاد القطاعي( الزراعة والصناعة والخدمات.) والسياسات المالية والنقدية ( مصرف التنمية الافريقية ، والعملة ، والتجارة الخارجية والاستثمار.. الخ).وعلى الرغم من أن بعض تلك الأجهزة قد رأي النور ، مثل البرلمان الإفريقي ، ومجلس السلم والأمن في أفريقيا ، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للاتحاد الافريقي .. إلا أن أجهزة أخرى رئيسية لم تزل في ظهر الغيب . ومع أن الفترة التى مرت على إنشاء الاتحاد لاتزال غير كافية لنضجه وإخراج كافة أجهزته إلى حيز الواقع . نظرا لتحديات جمة ، لعل من أهمها:
أولا : وجود خلافات " متجددة" حين يتعلق الأمر بتأسيس أحد الأجهزة على مسائل من قبيل دولة المقر ، والرئيس . ولعل مثال ذلك ماشاع من صراعات على المقر الرئيسي قبل سنيتن للإتحاد نفسه ، حيث هددت دول بالانسحاب منه إذا لم تكون مقرا له.
ثانيا : تغليب المصالح القطرية الضيقة على المصلحة الافريقية المشتركة ، مثال ذلك رفض بعض الدول بحث مسائل من طرف مجلس السلم والأمن الإفريقي لأن تلك الدول طرف فيها.
ثالثا : عدم الاقتناع " الكامل" بالاتحاد الافريقي وأهميته ومزاياه في هذه الألفية الجديدة ، نظرا لتجذر فكر " الإقليمية" على حساب الفكر الوحدوي الشامل.
رابعا : عدم إلزامية قرارات مفوضية الاتحاد الافريقي ، وهو ما أدّى إلى تبرم الدول الأعضاء من تطبيقها ، وهذا ما ساهم في إظهار الاتحاد كأنه نسخة ممتدة من المنظمة السابقة.
خامسا : تخلف الدول الإفريقية عن سداد التزاماتها للإتحاد وهو مايعطل تنفيذ السياسات المختلفة ، حيث إن دولا قليلة تحسب على أصابع اليد تساهم بأزيد من نصف ميزانية الاتحاد، وهو ما أشار إليه آلفا عمر كوناري رئيس المفوضية الإفريقية بقوله إن 38 دولة لم تسدد إلتزاماتها المالية للإتحاد!.ومع تلك التحديات الجسيمة ، فإن الأتحاد الافريقي يحاول جاهدا أن يمسك بزمام الأمور في القارة ، وهذا ما جعله يحسم الأمر في قضية "دارفور" ويبعث ببعثة تقصي للحقائق أوصت بإرسال قوة افريقية مسلحة لضبط الوضع هناك ، وقد كانت تلك خطوة جريئة قطعت الطريق ، أو تكاد ، على " تدويل" الأزمة الذي سعت دول كبرى إليه وسوقت له بسرعة فائقة ولكنها لم تنجح فيه ، وهاهو الاتحاد يستمر في رعاية المفاوضات من أجل حل مشكل دارفور.كذلك "أزمة الشرعية السياسية" في ساحل العاج ، وقبلها مدغشقر ، وليبيريا ورواندا وبوروندي .... في كل تلك الأزمات ، فإن الإتحاد الإفريقي حرص على الفعل السياسي والتعامل المباشر وفقا لممكناته وهامش حركته. وهذا يدل على قدرته ، ربما ، في المستقبل على التعاطي السياسي الايجابي مع المشاكل الأخرى في القارة.
ويري محللون أفارقة، أن السياسة على أهميتها قد لاتكون مناسبة راهنا للمدخل الحقيقي للاتحاد ، ولهذا لابد من فتح المجال أمام الاقتصاد ليقوم بالمهمة ويري محللون أفارقة ، أن السياسة على أهميتها قد لاتكون مناسبة راهنا للمدخل الحقيقي للاتحاد ، ولهذا لابد من فتح المجال أمام الاقتصاد ليقوم بالمهمة.وبالفعل ، فإن ، الاقتصاد – خصوصا في بلدان عالم الجنوب عامة- له دور أكبر بكثير من السياسة. وهنا تتجلي أهمية فكرة توحيد السياسات الاقتصادية التكاملية في التجارة والاستثمار بين دول القارة ، حيث ستعمل الاستثمارات المشتركة من دول الفائض المالي والوفرة الاقتصادية( جنوب افريقيا ، نيجيريا ، ليبيا .. الخ) إلى دول العجز المالي ( مالى ، بنين ، غينيا الاستوائية... الخ) إلى إحداث نقلة نوعية في جوانب التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تقارب مستويات التطور وتعمل على استغلال الموارد الاقتصادية المتوافرة بكثرة وكفاءة وعقلانية داخليا ، وتقوية القدرة التفاوضية الاقتصادية للسلع والمنتجات الافريقية في السوق الدولية وتسعيرها بالسعر العادل الذي يتعادل مع أسعار المنتجات الصناعية المستورة من أمريكا ودول الاتحاد الأوروبي وهما الشركاء الرئيسيين لإفريقيا.وقد تكون الخطوة المبدئية لذلك هي التفكير في آلية لتوحيد وزارات الاقتصاد والتجارة في الدول الافريقية من أجل تنسيق المواقف للتجارة الخارجية الافريقية التي تواجه تبعات الوحدانية وهذا مايسهم في خسارتها – حاليا- في الاقتصاد العالمي.
وليس ذلك إلا بالنموذج لمايمكن أن يحدث حتى في مجالات الصحة و الدفاع والنقل والمواصلات والاتصالات ، حيث تطرح أفكار عن تفعيل مفوضية الاتحاد الافريقي لتكون على غرار نظيرتها الأوروبية التي تحوي منسقا للسياسة الخارجية والدفاع وغيرهما، ولا شك أن التعثر الذي شهده التصديق على الدستور الأوروبي في فرنسا وهولنده مثلا ، يمكن الإفادة منه في عدم التسرع في الحالة الإفريقية حتى تقام الأسس الفنية لمفوضية الاتحاد على أرض في صلابة الفولاذ الإفريقي حتى لا تتعثر الجهود وتفشل المشاريع قبل ابتدائها كما حدث في أوروبا حول الدستور الأوروبي الموحد في الفترة الأخيرة.إن الاتحاد الإفريقي يسير في الاتجاه الصحيح حتى الآن ، وهناك إمكانية لتعزيزه وتطويره لينجز الأهداف الكبرى التى وردت مجملة في القانون التأسيسي ، ولكن العمل لايزال مطلوبا لاستكمال انشاء مؤسساته وأجهزته وعلى أسس واضحة وقوية .كما أن القناعة بجدوى وجدوائية الاتحاد الافريقي لابد أن تكون قناعة راسخة لدى الجميع من طرابلس إلى بريتوريا ومن نواكشوط إلى نيروبي حتى يكون هناك صوت إفريقي موحد ووعي إفريقي متكامل ووجهة نظر إفريقية واضحة يقدمها الأفارقة عن أنفسهم للآخرين ، لا ما يشكله الآخرون عنهم وفقا للأحكام المسبقة والأفكار غير الموضوعية ، عندها سيكون للقارة السمراء دور فاعل في الألفية الإفرنجية الجديدة يساهم مع الآخرين على قدم المساواة وليس دورا مكملا أوتابعا ، ولعل القمة الخامسة في سرت 2005 تعطي مؤشرات " قوية" و " حازمة" عن ما ينوى الأفارقة أن يفعلوه : انتصارا أو انتكاسا، تقدما أم تراجعا.

ويسألونك عن الشعر في بلاده*

بقلم الدكتور أحمد ولد نافع

أوردت مجلة العربي الكويتية في أحد تقاريرها الاستطلاعية عام 1967 الذي أعده الصحفي اللبناني سليم زبال ضمن سلسلة أعر ف وطنك أن موريتانيا هي بلاد المليون شاعر..! وقد ظل ذلك العنوان من لحظتها علما على موريتانيا عند النخبة المثقفة عربية كانت أو غربية...إنه وصف معبر لحدّ الإعجاز ومثير حتى درجة الدهشة ..إلا أنه بحسب – بعض النقاد والمتخصصين- مؤسس على قدر من الشفافية والموضوعية..وربما ذلك ما يبرر للكثيرين شحنات الاستغراب التي تولد استدراكا بالتساؤل إذ : كيف يكون البلد شاعرا ..وهل يعقل أن يكون كل " الساكنة" من الشعراء الفحول..ربما "نعم" ، وربما "لا" . وبين تلك الـــ نعم ، وهذه الــ لا..نستأذن في عرض موجز لبعض صفحات تاريخ البلاد البرزخية لنروي جزء من حكاية الشعر في بلاده..

.ٍإن قصة الشعر في موريتانيا قصة قديمة قِدَمَ تلك الأرض وأهلها..فلقد بذروا بذوره ، وحصدوا ثماره اليانعة شعرًا ظل ينطق بالحكمة والموعظة والبيان الساحر الأخاذْ ، وذلك منذ انتشرت في تلك الربوع والفيافي مدارس العلم (المحاظر) ، وتزايدت أعداد أمهات المراجع الفكرية والثقافية الإسلامية التي هي عماد المناهج التعليمية في جامعات الصحراء المتنقلة ، الشيء الذي أدّى بسرعة متسارعة إلى ظهور فنون الكتابة والـتأليف ، وما يوازي ذلك من الاتساع الأفقي والعمودي للمعرفة بشتى ألوانها وصنوفها.    
 إنها لوحة " ابستمولوجية" ترتسم في عمق الصحراء وعلى كثبانها وسهولها لثقافة عربية إسلامية تعكسها علوم الأصول ( القرآن الكريم ، الحديث الشريف) ، وعلوم العقائد ( كالأشعرية) ، ومدارس الفقه (أساسا .. المالكية ، بروايتها المصرية الخليلية ) ، وعلوم اللغة الفصحي ( ألفية ابن مالك ومثيلاتها في النحو العربي ، والخطيب القزويني في البلاغة....) ، ومخازن الشعر الرئيسية في معلقات الشعر العربي قبل الإسلام التي بلغت العشر ، وما يضاف إليها من مضامين شعرية في عهد الدعوة الإسلامية الأول ، وكذا فترة الأمويين والعباسيين....الخ
 كان ذلك هو المهاد الفكري والثقافي الذي احتضن الذاكرة الشعرية للموريتانيين منذ عشرات القرون الخالية ، ويشهد لهم تاريخهم وآثارهم الباقية على قلتها وضياع أكثرها ، أنهم تحملوا رسالة سامية في إحياء التراث العربي والإسلامي في حياتهم البدوية الأصيلة ، وذلك من خلال اعتزازهم بالاسترشاد والتوثيق لعلم الأنساب وأيام العرب و بطولاتهم .
 وقد بلغ من شغف الموريتانيين بعلوم اللغة العربية في صحاريهم وفيافيهم المقفرة الوعرة أن أنزلوها منزلة - أسمى ، ربما- من منزلة الدراسات الدينية والفقهية.ولعل ذلك ما قصده المستعرب الفرنسي المعروف " جاك بيرك" حين أكّد أن "بلاد شنقيط كانت متخصصة في الدراسات اللغوية والأدبية بالمقارنة مع البلاد العربية الأخرى في القرون الثلاثة الأخيرة" ولذلك الاهتمام لم يكن إطلاق صفة "العالم"هينا لدى الموريتانيين ، إذ يشترط فيه الضرب بأسهم في النحو والبلاغة ن علاوة على استظهار المشهور من نصوص الأدب العربي نثرا وشعرا ، وتلك ميزة اختص بها المثقفون الموريتانيون في الأغلب الأعم حتى الآن ، خلافا لنظرائهم وأشقائهم في المشرق والمغرب المتمشرق ، حيث يسود النزوع إلى احترام التخصص الدقيق ، ولقد ظل الدرس اللغوي مهملا في الأزهر الشريف لفترة غير يسيرة حتى أمسك بزمام إدارته الإمام الشيخ محمد عبده ، الذي فاجأته قدرة العلماء الفقهاء الموريتانيين على إتقان اللغة وتوابعها بعد أن تعرّف عليهم عن كثب ، ولهذا لم يتردد لحظة وهو يقوم بتكليف العالم الموريتاني الفقيه محمد محمود ول اتلاميد التركزي ، الذي تفرد بتدريس اللغة العربية في الأزهر سنينا طويلة .
 ومن الإسهامات المجمع عليها للعلامة التركزي هي أن النسخة التي لا تزال متداولة حتى اليوم من القاموس المحيط للفيروزأبادي قد صُححت وحققت من طرفه ، بالإضافة إلى تآليفه الفقهية الأخرى المعروفة.
وهكذا يكون قرض الشعر في بيئة صحراوية ، تشبه البيئة العربية في نجد والحجاز ، وتنتشر فيها العلوم والمعارف على النحو المشار إليه ، نوعا من تحصيل الحاصل أو لزوم ما يلزم بالضرورة... ومع ذلك فإن المؤرخين لم يستطيعوا أن يحسموا حتى اللحظة في تحديد تاريخ مضبوط للشعر في هذه البلاد ، ولذلك لا يزال المختلف فيه هو : أين ومتى ولماذا ولد أول نص شعري في موريتانيا؟؟
ولا يخفي أن الصعوبة تكتنف الإجابة ، وذلك بالنظر إلى أن الموريتانيين مثلهم مثل مواطنيهم العرب الذين لا ينشغلون – عادة – بتدوين آثارهم ، إذ يرتكز جلّ اعتمادهم على الحكاية الشفوية و المرويات القولية ، وفي ذلك ما فيه من وفاء لطبيعتهم الشاعرية المتأصلة التي لا تهتم بأكثر من قرض الشعر وترك شوارده تتردد في أصداء الصحراء الفسيحة . وبالرغم من ذلك ، فإن بعض المثقفين الموريتانيين قد اجتهدوا في محاولة تحديد أول نص شعري في موريتانيا ، وفي مقدمة هؤلاء الأستاذ  الخليل النحوي في " منارته ورباطه" الصادر في  ثمانينيات القرن الماضي عن المنظمة العربية للتربية و الثقافة و العلوم ، حيث يكاد يجزم أن أول نص شعري عثر عليه على أديم هذه الأرض هو قصيدة توسلية دينية للفقيه الولي الشاعر " محمد قلي ولد ابراهيم" ، الذي هو أحد بناة شنقيط الثانية حوالي 650 للهجرة ، وفيها يتوسل الفقيه الشاعر محمد قلي إلى الله سبحانه وتعالى أن يرزق ساكنة شنقيط من الغيث ، وتجمع الروايات الشفوية المتوارثة منذ ثمانية قرون أن الله استجاب لدعوته فنزل مطر من القمح في منزله ، استطاع منه أن يموّن شنقيط في ذلك العام !!
 والقصيدة المذكورة تقع في أزيد من أربعين بيتا من بحر البسيط وفيها يقول:
الحمد لله مادام الوجود له *** حمدا يبلغنا من الرضا أبــــدا
ثم الصلاة على خير الورى أحمدا *** وآله الكرما وصحبه الزهـــــدا
يارب هيء لنا من أمرنا رشـــــدا *** واجعل معونتك الحسنى لنا مـــددا
وقد كانت تلك القصيدة ومضامينها الأدبية والبلاغية موضوعا لأحد بحوث التخرج في قسم اللغة العربية بكلية الآداب و العلوم الإنسانية في جامعة انواكشوط قبل سنوات .
إن ذلك الأنموذج يوضح أن الموريتانيين قد تعايشوا تاريخيا مع القافية الخليلية ونسجوا على منوال أبحرها أشعارهم وأوزانهم المقفاة.
وإن كانت الأغراض الشعرية المألوفة قد بدأت خجولة - على حد تعبير الباحث الكبير الراحل أحمد ( الملقب جمال) ولد الحسن- في بداية الأمر ، نظرا لثقافة التدين الشديد والزهد والورع المنتشر الذي لا يقبل من الشعر إلا في نطاق مدح النبي صلي الله عليه وسلم أو التوسل إلى الله عزو وجل في الملمات ، وذلك على اعتبار الأغراض الأخرى " مستقبحة" وخصوصا غرضي الغزل والهجاء ، ولذلك فليس بالمستغرب في وسط معرفي كهذا أن تنزل قبيلة شهيرة العقاب الأليم بأحد أبنائها جزاءا وفاقا على بيتين قرضهما من " الغزل العفيف"! وقد حدث ذلك خلال القرن الحادي عشر الهجري . ويشير ابن بنان البرتلي مؤلف كتاب " فتح الشكور في معرفة أعيان وعلماء التكرور" إلى أن من مناقب أحد أشياخه ، أنه لم يقل من الشعر إلا قصيدتين تأسيا بالسنة!!
 وذلك نظرا إلى أن ابن أبي زيد القيرواني ، الذي تعدّ رسالته في الفقه المالكي إحدى ضرورات التفقه في البلاد الشنقيطية ، قد حذّر من " الإكثار من الشعر أو الانشغال به".
 ويظهر من استقراء وتتبع الإنتاج الشعري لدى الموريتانيين في تلك القرون السحيقة ، أنه كان جزء ثانويا من نشاط الفقهاء على هامش اهتماماتهم الرئيسية بعلوم الأصول والفقه الإسلامي ، ولذلك كان الشعر لديهم يأتي في شكل مقطوعات مديحية أو توسلية يحرصون على سلامة وزنها وقافيتها فقط .
ولهذا ، فإن بعض المنشغلين بتحقيب تاريخ الشعر في موريتانيا توصل إلى أن البداية الحقيقية المتواصلة لم تبدأ إلا من بداية النصف الثاني من القرن السابع عشر الميلادي كما يري ذلك العلامة الدكتور محمد المختار ولد اباه في تناوله للشعر والشعراء في موريتانيا.
 وتأسيسا على ذلك ، فإن الشعر سرعان ما تألق نجمه وتصاعدت وتيرة إنتاجه وتسويق إبداعه في تلك البلاد ، بل وانتقل تعلمه نقلة نوعية كبرى مع عمالقة عظام من كبار الشعراء الأفذاذ ، مثل ابن رازكه ( المتوفي 1143 هــ ، وقد ترجم له فتح الشكور في الصفحة 163 ، والوسيط : ص1) ، والشاعر محمد اليدالي (المتوفي 1166 هــ ، وترجم له فتح الشكور ص 123 ) ، كما ألف العلامة النابغة القلاوي " السد العالي في مناقب اليدالي ".
وكانت الأغراض التي اهتم بها أولئك العظام هي : المدح والرثاء والألغاز العلمية والمساجلات الفقهية ، إذ يري الباحث أحمد ولد الحسن: "أن ابن رازكة هو أول من وصل حبل الشعر الشنقيطي بسنة أثيرة من سنن الشعر العربي ألا وهي المقدمة الغزلية" .
أما الشاعر العملاق محمد اليدالي ، زميل ابن رازكه وصديق طفولته ، فهو علاوة على كونه كان شاعرا ، فهو فقيه من الطراز الأول ، ومتكلم بارع ومؤرخ ومتصوف ، ويحتوي ديوانه الشعري الذي نشر أزيد من 1300 بيت شعري في كل المدح والرثاء والفخر والابتهال ،وهو أول شارح لشعره ، ومن أشهر قصائده تداولا بين الكافة قصيدته " صلاة ربي" ، ومطلعها:
صلاة ربي مع السلام *** على حبيب خير الأنام
وله أيضا قصيدة أخرى تتشابه من ناحية سبكها مع الموشحات الاندلسية وفيها:
ربّ بجاه أحمدا *** أفضل خلق الخالق
ارزق سعيدنا الهدى *** يا خير هــاد رازق
سدد واصلح أمره *** يا رب واشرح صدره
وارفع دواما قدره *** بأكرم الخـــلائق
وقد شهدت الحركة الشعرية في موريتانيا أزهي مراحلها خلال القرنين الثاني والثالث عشر حيث أينعت الحركة الأدبية في موريتانيا على نحو غير مسبوق، وذلك على عكسا لواقع الحال في المشرق العربي الإسلامي ، الذي كان يئن تحت وطأة تداعيات التدهور والانحطاط والركاكة ...حيث استطاع الموريتانيون إحياء شكل القصيدة العربية القديمة ، وذلك ما جعلهم يتساكنون مع أجزل مستويات المعجم العربي وأصعبها قوة وأعمقها معنى وهو المعجم العربي الجاهلي.
وفي حين يثبت مؤرخو الأدب العربي أن محمود سامي البارودي ( الذي ينحدر من أسرة شركسية الأصل ) ،هو أول من ردّ الديباجة الشعرية إلى صفائها الأول ، وأنه صاحب الفضل الكبير في تجديد أسلوب الشعر وإنقاذه من وهدة التكلف العقيم . إلا أن أحمد ولد الحسن يري أن المجددين الموريتانيين كانوا أسبق من " البارودي" بكثير من الزمن إلى مضامين التجديد المشار إليه . ويعزز أحمد ولد الحسن تحليله بمعطيات التاريخ غير القابلة للنقض أو التشكيك ، حيث إن الشاعر الموريتاني امحمد ول الطلبة اليعقوبي ( محي الشعر الجاهلي ومعارض الأعشى وحميد و الشماخ ) وهو القائل مقولته الشهيرة :" أرجو من الله أن أقعد أنا و الشماخ بن ضرار في ناد من أهل الجنة وننشد بين أيديهم قصيدتينا لنعلم أيهما أحسن "!!! وكان ولد الطلبه هذا قد ولد عام 1774 م أي قبل ميلاد البارودي بـ64 سنة ، وتوفي في سنة 1865 ، والبارودي حينها لم يتجاوز السن الثامنة عشرة فقط ، وهو ما يعني أنه مات قبل ميلاد شوقي ( أمير الشعراء) بــ 13 نسة تقريبا .
إن ذلك مجرد مثال واقعي ، من أمثلة أجلّ من الحصر ، يفيد لمن يريد ألا يتشابه عليه الحكم أن الموريتانيين قد بدأوا عملية إحياء الشعر الجاهلي و الاندلسي قبل مدرسة الإحياء في المشرق العربي ، ولكن جهودهم بقيت ضحية "مؤامرة صمت" كما يقول أحمد ولد الحسن .. ونضيف على ذلك أنها ربما كانت ضحية مؤامرة جهل ، والجهل أكبر المتآمرين!!
إن جهود الموريتانيين الشعرية دلت عليها آثارهم القليلة ، التي تشي بحجم إنتاجهم الغزير المطمور بين الرمال ، و التي تحوى إبداعا زاخرا بالتنوع الدلالي والتأويلي لمن يرغب في دراسته وتحليله .
وفي هذا السياق من الوعي بعلاقة الموريتانيين بالشعر تتنزل المقولة الخالدة أن موريتانيا بلاد المليون شاعر ، وذلك ما يدركه كل من يأتي إلى موريتانيا ، وهو ما فاجأ الوفد الإعلامي لمجلة العربي الكويتية ، حيث كان الشعر ضمن طقوس الضيافة لدى الموريتانيين وهم يقابلون زائريهم من إخوتهم العرب في الستينيات من القرن السابق وقبل أن تدخل بلادهم إلى الجامعة العربية ، كما أن الغرابة نفسها عكسها أسعد طه في زيارته لموريتانيا ضمن برنامج يعده لقناة الجزيرة الفضائية حيث استقبله طلاب إحدى المحاظر بقصيدة ترحيبية لم يملك إلا أن يؤكد حقيقة أن هذه البلاد بلاد المليون شاعر!
 ولقد بدأت المؤسسات العربية المنشغلة بتدوين الإنتاج الشعري العربي مثل مؤسسة البابطين بتضمين معجمها لأسماء شعراء موريتانيين معاصرين من أمثال أحمدو ولد عبد القادر ومتنبي موريتانيا ناجي محمد الامام ومحمد كابر هاشم ومحمد الحافظ ولد احمدو وغيرهم من الذين لاتزال اسماؤهم لامعة في سماء موريتانيا الشعرية حتى الوقت الراهن.
ومع المكانة التي يحتلها الشعر في قلوب وعقول الموريتانيين ، فإن أهله لا ينصرفون لتدوينه وتوثيقه ، إلا نادرا ، وفي ظروف استفزاز علمي خاصة ، مثل تلك التي أشار إليها العلامة الشنقيطي أحمد ولد الأمين في زيارته لقاهرة المعز حين فاجأ القوم المصريين في بداية القرن العشرين بفصاحته ولغته الجزلة الشاعرية فتساءلوا في استغراب لا يخلو من تهكم : هل يوجد في بلادكم أدب وشعر ؟ فلم يجبهم إلا بعد شهر حين جاءهم وهو يحمل مسودة كتابه الأشهر : " الوسيط" الذي احتوى أزيد من عشرة آلاف بيت مع ترجمة ضافية لشعراء مدونته ونبذ وافية عن الحياة الفكرية والاجتماعية والثقافية ....وكل ذلك مما وعته ذاكرته فقط!!!
وللمرء أن يتصور انه لولا ذلك الموقف " الاستفزازي" الذي تعرض له الشيخ الشنقيطي ، لربما ضاع ، ومن شبه المؤكد أن يضيع ، شعر وعلم كثير ينتهي بوفاته ، ولكن حظ الأجيال الآتية كان كبيرا فيما يبدو. وينبغي أن يقال بصراحة أن المؤلفات عن الشعر وأهله في بلاده محدودة جدا ، إن لم تكن منعدمة ، رغم وجود ثروة معرفية لامتناهية . ولعل ذلك ما يتطلب ذهنية أخرى وإرادة أخرى إن لم يكن الحاضر والماضي من همومها فليكن مستقبل أجيال لا تزال في علم الغيب ، ولاشك أن تلك الأجيال ستكون في شوق كبير لمعرفة ماضي أهلها - خصوصا حين يقال لهم أنتم من بلاد المليون شاعر - بكل مكوناته الفكرية والاجتماعية والأدبية . وإن لم يدوّن لها ذلك التاريخ ، فإنها لن تتردد في التحلل منه إن كانت منصفة ، أو لعنه والدعاء عليه إن كانت غير ذلك وفي كل الأحوال فإن المنشغلين بهموم الفكر والثقافة يعطونها المبرر التاريخي في المواقف التي ستتبناها تلك الأجيال لاحقا ..

* نشر في مجلة فضاءات - طرابلس - ليبيا -2008

موريتانيا : رحلة الأسماء المتغيرة!!

توطئة:
لقد مرت بلاد شنقيط أو موريتانيا بمراحل تاريخية طويلة ، بحيث حملت في كل مرحلة إسمًا معينا ، وقد اختلفت الأسماء بحسب الأحداث التاريخية التي عرفها المجال الجغرافي الشنقيطي في مراحل زمنية متباينة. ومن بين تلك الأسماء : إمبراطورية غانا ، بلاد التكرور ، وصحراء الملثمين ، وبلاد شنقيط ، وبلاد المغافرة أو المنكب البرزخي ، وبلاد الفترة أو البلاد السائبة ، ثم موريتانيا. تلك هي أهم الأسماء الأكثرُ شهرةً وتغيرًا لموريتانيا ، وهو ما سيتم التركيز عليه من خلال التفريعات المنهجية الآتية : أولا : إمبراطورية غانا أم صحراء الملثمين. ثانيا :بلاد التكرور أم بلاد شنقيط. ثالثا: بلاد المغافرة أم بلاد المنكب البرزخي (بلاد الفترة). رابعا : البلاد السائبة أم الجمهورية الإسلامية الموريتانية.
أولا: إمبراطورية غانا أم صحراء الملثمين
تعتبر إمبراطورية غانا من أقدم الممالك والسلطنات في منطقة غرب إفريقيا حيث بسطت نفوذها السياسي على أجزاء واسعة من السنغال ومالي والنيجر ومناطق كبيرة من بلاد شنقيط وتحديداً في الأجزاء الجنوبية الشرقية في جهة آوكار المنضوي جغرافيا تحت أراضي الحوض الشرقي (الولاية الإدارية الأولى حاليا)[1].
وقد تكونت هذه الإمبراطورية من قبائل السودان وكذلك من قبائل الملثمين وهو لقب يشمل مجموع صنهاجة ومن معهم من الأخلاط في أواسط القرن الثاني الهجري ، وقام لهم أول سلطان يجمع كلمتهم في بداية القرن الثالث الهجري عندما توحدوا علي يد تايولوتان بن تلالاكين المتوفى سنة 222هـ .ثم تشتتوا بعد ذلك ، وكان الاجتماع الثاني لهم بعد رجوع يحي بن إبراهيم الكدالي . وكانت عاصمة إمبراطورية غانا هي كومبي صالح ، وجاء في سبائك الذهب أن مؤسسها هو : صالح من بني الحسن السبط ، وتوجد حاليا أطلال تلك المدينة إلى الجنوب الشرقي من مدينة تمبدغة ( حوالي 60 كلم) في ولاية الحوض الشرقي[2].
وقد شكل ساكنو تلك البقاع أهمية خاصة ، خصوصا أنهم " الملثمون" الذين نسبت إليهم الأرض فسميت بـ:" صحراء الملثمين" ، وهي الصفة التي فسرها شاعرهم المغوار أبو محمد بن حامد : قوم لهم شرف العُلى من حمير -- وإذا انتموا لمتونة فهمُ هــــمُ لما حووا إحراز كل فضيلة -- غلب الحياءُ عليهمُ فتلثمــــــوا وكانت قبائل صنهاجة الملثمين تصل إلى سبعين قبيلة جائلةً في الصحراء الكبرى ، إلا أنه لم يشتهر منها إلا ثلاثة قبائل هي لمتونة ، وكدالة ، و مسوفة. وهي القبائل التي كانت عصب ما عرف بـ:" دولة المرابطين" ، حيث اتخذت عاصمة لها في مدينة " أوداغست" (توجد أطلالها ضمن ولاية الحوض الغربي الحالية في موريتانيا) ،وقد تعاقب على ملك تلك الدولة ثلاثون ملكاً من لمتونة قبل أن يصل الأمرُ إلى القائد الشهير أبو بكر بن عامر ، ومن أشهر هؤلاء الملوك " تيلوكاكين " ، وهو الذي عُرف بفتوحاته العديدة كما أشارت المصادر التاريخية ، وكذلك ابنه" تيلوتن " الذي كان معاصرًا لصقر قريش الأموي عبد الرحمن الداخل[3].
وقد ذكر المؤرخ العربي " البكري" في مؤلفه أن صاحب أوداغست كان في خمسينيات القرن الرابع الهجري ،وقال إنه أخضع أكثر من عشرين ملكاً من ملوك السودان الذين ظلوا يدفعون له الجزية[4].
لقد كانت الصحراء الشنقيطية ( الموريتانية) مهدُ ومنطلق دولة المرابطين التي بلغ شأوُها ونفوذها يوماً أن بسطت نفوذها على الشمال الإفريقي والأندلس كله ، ويعود الاشتقاق اللفظي للمرابطين إلي " الرباط" الذي أسسه الأب الروحي للحركة المرابطية وهو الشيخ المغربي عبد الله بن ياسين الذي كون رباطاً اعتزل فيه مع يحي بن إبراهيم الكدالي في جزيرة بالبحر يقال إنها : جزيرة تيدرة الحالية المحاذية للعاصمة انواكشوط شمالاً في عرض المحيط الأطلسي[5].
وهناك من الباحثين من يري أن المنطقة التي أسس بها المرابطون رباطهم تقع في منطقة "شمامة"[6].
وبعد أن جذر المرابطون ركائز رباطهم انطلقوا في الآفاق ينشرون الإسلام والثقافة العربية في محيطهم العربي والإفريقي كما أشرنا من قبل. ويشار إلى أن من أشهر القيادات المرابطية يحي بن إبراهيم الكدالي ثم يحي بن عمر اللمتوني ، ثم يوسف بن تاشفين اللمتوني . كما أن هناك أيضا كثر من الأعلام الذين ظهروا في إطار الحركة المرابطية كالإمام الشهير الحضرمي وأبو بكر بن الحسن وغيرهم كثير.كما لابد من التنبيه إلى أن مدينة "آزوكي" كانت هي أول عاصمة للزعيم المرابطي أبو بكر بن عامر ولا تزال أطلالها ماثلة حتى اليوم قرب مدينة " أطار" عاصمة ولاية آدرار في الشمال الموريتاني[7] .
وذلك بالرغم من أن الكثيرين يجهلون تلك الحقيقة التاريخية مشيرين فقط إلى " مراكش" كعاصمة للمرابطين وهي التي أسست بأمر من يوسف بن تاشفين الذي تولى إدراة الجزء الشمالي من الدولة المرابطية وتوسع بها بعد توليته من ابن عمه الزعيم المرابطي أبو بكر بن عامر. ثانيا: بلاد التكرور وبلاد شنقيط
لقد أطلق وصف بلاد التكرور في مرحلة تاريخية سابقة ، وبلغت هذه الصفة من الشيوع حدًا جعل أبو عبد الله الطالب محمد بن أبي بكر الصديق البرتلي المتوفى 1219هـ ، جعلته يسمي مؤلفه الذي اشتهر به وقدمه للتعريف بعلماء المنطقة :" فتح الشكور في معرفة أعيان وعلماء التكرور" ، وقد عين التكرور بقوله :" التكرور إقليم واسع ممتد شرقا إلى أدغاغ ومغربا إلى بحر بني الزناقية، وجنوبا إلي بيط ، وشمالا إلى آدرار.. "[8].
وأحيانا يطلق التكرور على مدينة ذكرها "البكري" ، وقال إنها كانت على ضفة النهر[9].
ويدل ذلك التوصيف على أنه كان ينظر إلى تحديد " التكرور" باعتباره علما ً على انتماء جغرافي ينسب إليه المقيمون هناك . هذا في حين لا يزال من يطلق لقب التكرور – حتى في المرحلة الراهنة- على بعض المجموعات الإفريقية الموريتانية سواء من الفلان( البولار) ، أو السراقولي ،أو الولوف. أما وصف " بلاد شنقيط" فإنه أطلق على موريتانيا طيلة مراحل تاريخية مهمة ( وربما لازالت بقايا الشناقطة الأولين وامتداداتهم في المشرق الإسلامي في تركيا والسعودية والأردن تحتفظ بنفس النعت حتى يومنا هذا.) ، و يري العلامة الجليل سيدي عبد الله ولد الحاج إبراهيم العلوي أن " شنقيط" أو " شنجيط" تطلق على عيون الخيل حسب بعض اللغات البربرية الدارجة في ذلك الوقت[10].
كما أن " شنقيط" ظلت إحدى مدن آدرار في الشمال الموريتاني ، وهي من أقدم المدن المعروفة عن تلك الأحقاب الزمنية الغابرة. وقد بنيت مرتين ، الأولى سنة 160هـ ثم تلاشت واندثرت لظروف مناخية عسيرة وصعبة ، أما المرة الثانية فقد بناها الفقيه الصالح محمد قلي ولد إبراهيم الجد الأعلى لقبيلة الاقلال بمعية أنسبائه من العلويين[11].
ومدينة شنقيط تلك هي التي انسحب إسمها على القطر وساكنيه من باب " تسمية الشيء بإسم بعضه " ، ويري العلامة أحمد ولد الأمين الشنقيطي مؤلف كتاب " الوسيط في تراجم أدباء شنقيط" أن هذا القطر يحده من الشمال الساقية الحمراء ومن الجنوب قاع ابن هيب ، ومن الشرق ولاته والنعمة ، ومن الغرب بلاد سنغال [12].
ولما استحالت شنقيط إلى كونها غدت مركزا حضاريا مرموقا من أهم مراكز الإشعاع الفكري والثقافي في المنطقة عموما جنوبا وشمالا بدأت تؤدي رسالتها الحضارية الخالدة ، ونبغ علماؤها في المشرق الإسلامي أثناء رحلاتهم " الحجية" (إن صحت النسبة) وبدأوا ينسبون إلى موطنهم شنقيط الذي قدموا منه ، يقول العلامة سيدي عبد الله ولد الحاج إبراهيم :" وكان الركب يمشي من شنجيط إلى مكة كل عام ، ويتعلق بهم كل من أراد الحج من سائر الآفاق ، حتى أن أهلا هذه البلاد أعني من الساقية الحمراء إلى السودان ، إن رُؤوا لا يعرفون عند أهل المشرق إلا بالشناجطة إلى الآن.."[13].
هكذا إذن أطلق وصف الشناقطة نسبةً إلى تلك المدينة التاريخية العظيمة التي لا تزال صامدةً كالتثمال رمزًا للقوة والعزة والصلابة ، وبلغ الشناقطة من النبوغ في العلوم اللغوية والمعارف الإسلامية حدًا جعلهم مضرب الأمثال في المشرق والمغرب تاركين أحسن الذكر والأثر أينما حلوا ، حاملين نماذج اختمرت في مجال جغرافي وبشري يقع على الطرف الغربي من الصحراء الإفريقية الكبرى ، يفصل أو بالأحرى يربط بين الشمال الإفريقي وبلاد ما بعد الصحراء الكبرى . ويعتز الشناقطة بنسبتهم إلى ذلك المجال الجغرافي البشري ، يقول شاعرهم محمدى ولد سيدينا حول ذلك الانتساب إلى شنقيط :
بكم تضرب الأمثال شرقا ومغربا-- وينمى إليكم كل من جاء من قطري
بينما يقول الشاعر الشنقيطي الآخر:
إن لم تكن شنقيط فيه زمزم -- ففيهم للعلم ركـــن أقدمُ
ثالثا : بلاد المغافرة أم المنكب البرزخي ( بلاد الفترة)
وهو أحد الأسماء التي أطلقت أيضا على موريتانيا ، ويبدو منه أنه نسبة إلى ذرية مغفر بن أودي بن حسان ، وهذا الأخير هو الجد الأعلى للقبائل الحسا نية الحالية ، التي يحفظ لها التاريخ دورًا كبيرًا في تأسيس تلك البلاد منذ القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلادي ، وتم لها ما أرادت من بسط نفوذها السياسي والعسكري ، وهو ما مكنها من الإسهام المميز في تشكيل الشخصية العربية وصقلها لأهل تلك المنطقة على نحو مشهود[14].
ومع أن نفوذ القبائل المغفرية المعقلية لم يكن كاملا وشاملا على سائر البلاد ، وذلك بحكم تنازع قبائل بني حسان للسيطرة ، إلا أن قبائل من بني مغفر أسست في عدة جهات ما أسمــته " الإمارات" التي عمرت المجال الشنقيطي ، ومن أبرز تلك الإمارات الحسا نية ما يلي: - إمارة الترارزة في الجنوب الغربي. - إمارة البراكنة في الجنوب. - إمارة أولاد يحي ولد عثمان في الشمال. - إمارة أولاد امبارك في الشرق. وقد سرد المؤرخون تاريخ نشأة تلك الإمارات وظروف وملابسات صعودها وهبوطها وتفاصيل أيامها [15].
أما مصطلح أو وصف " المنكب البرزخي" فإن أول من استخدمه هو الشيخ الكبير محمد المامي في كتابه عن " البادية" ، الذي حاول فيه تقديم الإجابات الفقهية للمشاكل التي يعيشها مجتمع البادية والصحراء ، حيث يقول :" إن علم أهل المنكب البرزخي عند أهل الأمصار الشناجطة.."[16].
والبرزخية الواردة في الوصف تحيل إلى توسط هذه الرقعة جغرافيا بين الشمال العربي والجنوب الإفريقي ، وهذا إحالة إلى المعني اللغوي الدلالي حيث البرزخ لغة هو الحد الفاصل بين شيئين أو الحاجز[17].
وتأسيساً على ذلك " البرزخ" فإن الكثير من أبناء تلك البلاد ولّدوا وصفا قدموه لغيرهم عن أنفسهم وهو " همزة الوصل" في إشارة إلى الدور التاريخي للشناقطة في حمل رسالة الدين الإسلامي والثقافة العربية إلى أدغال القارة السمراء وأحراشها وغاباتها.
رابعا : البلاد السائبة أم الجمهورية الإسلامية الموريتانية
إن هذا المصطلح " البلاد السائبة" شاع استخدامه فترة غير قصيرة من الزمن حتى قبل وقوع البلاد تحت نير الاستعمار ، ويحيل إلى معني لغوي بالحسانية ( وهي لغة عربية ملحونة قليلا ) إلى معني الفوضى والتمرد ، وينطبق ذلك على طبيعة المجتمع البدوي المرتكزة على العشوائية وعدم الركون للنظام والروتين والسلطان ، وهكذا غابت عن ذلك المجتمع السلطة المركزية حينا من الزمن بعد انهيار الدولة المرابطية ، وهو ما استمر حتى بزوغ سلطة الإمارات التي عمرت المجال الشنقيطي في وقتها. ومن بين من استخدموا مصطلح البلاد السائبة الشيخ سيدي محمد ولد الشيخ سيدي المختار الكنتي الذي تحدث عن " البلاد السائبة الخالية من سلطان أو أمير أو رئيس خير يدفع من ظلم الظلمة وجور الجورة وعدوان العادين.."[18].
ويشير الباحث المرحوم أحمد ولد الحسن إلى أن نفس المصطلح قد وجد لدى عدد من الفقهاء مثل ولد الأعمش ، ومحنض بابه الديماني ، وميلود ولد المختار خي وغيرهم ..[19].
ثم بعد مصطلح البلاد السائبة عرفت المنطقة الشنقيطية إسما آخر هو الإسم الذي ورث الأسماء الفارطة كلها ، وسيكون علماً عليها فيما بعد ، إنه " موريتانيا" ، وما أدراك ما موريتانيا؟إنه الإسم الذي أراد به المستعمرون النسبة إلى بلاد " المـــور" ( Les Maures) ، ويعنون به " البيضان" أو " البيظان" وهذا الأخير وصف يطلقه أهل المنطقة من ذوي الأصول العربية على أنفسهم ، مع أن هناك من يرى أن " المور" هي نسبة إلى واد موجود باليمن بهذا الاسم تسكنه قبائل عربية يتنمي إليها أجداد سكان هذه الأرض فتمت تسميتهم بذلك في إشارة لا تخلو من الدلالة. غير أن الفرنسيين أرادوا بـ:" المور" تذكيراً و ربطا بالتاريخ الروماني القديم حيث كان المصطلح يطلق على كل شمال إفريقيا ، أي أن الفرنسيين أحيوا هذا المصطلح القديم من مرقده الروماني – كما يقول أحمد ولد الحسن- ليطلقوه على أبر جزء من بلاد شنقيط حولوه إلى مستعمرة فدولة مستقلة منذ 28 نوفمبر 1960 حين تم الإعلان عن استقلالها على الرمال المتحركة تحت خيمة على ضفاف المحيط الأطلسي من طرف مجموعة من الشباب في أزاهير أعمارهم تزعمهم الأستاذ المختار ولد داداه وزملاؤه.
وهكذا ظهر هذا المصطلح :" موريتانيا" في تقارير الحكام الفرنسيين وأعوانهم الذين كانوا يتولون إدارة شؤون موريتانيا ، وكان أول حاكم عرفته البلاد الموريتانية هو " أغزافيي كابولاني" الذي اغتالته مجموعة من المناضلين الوطنيين سنة 1905 بقيادة الشريف سيدي ولد مولاي الزين في مدينة تجكجة. إلا أن الإدراة الاستعمارية لما بسطت نفوذها على بلاد شنقيط قسمتها إلى شطرين : النصف الغربي والشمالي وجعلته تحت التبعية المباشرة للمقر العام للإدارة الاستعمارية في " اندر" ، أو ما يعرف حاليا بـ:" سان لويس" في شمال دولة السنغال المجاورة . أما النصف الآخر وهو الجنوبي والشرقي(أي الحوضين والعصابة) فقد جعلته تابعا لمركز القيادة الاستعمارية في جمهورية مالي المحاذية . وقد حدث ذلك رغم إدراك الفرنسيين أنهم يشطرون أرضاً واحدةً ، ويقسمون شعبا واحدا. ولذلك فإن الكتابات الاستعمارية عن تلك الفترة شاهدة على ذلك مثل كتابات الباحث الفرنسي المحنك " بول مارتي" عن القبائل البيظانية في الحوض والساحل الموريتاني "[20]. وهكذا فإن مصطلح " موريتانيا" ذا الاشتقاق الفرنسي هو الذي سيصبح علماً على بلاد شنقيط وأهلها منذ أزيد من أربعة عقود. وتأسيسا على ما سبق فإن ذلك " الغوص" في استكناه دلالات الأسماء المتغيرة لم يكن إلا " طوافاً" حول جوانب – قد تكون مجهولة رغم أهميتها – من التاريخ السياسي والثقافي الموريتاني ، وهو ما دلّ باختصار على دور الانسان في التأثير على التاريخ وفيه ، خصوصاً في جزئيته المنحصرة في نشر الإسلام ولغة الضاد ، وما يتأسس على ذلك كله من ثقافةٍ أراد لها البعض ألا تتجاوز القليل من " إحداثيات" الجغرافيا ، لكن آخرين ومن ضمنهم " الشناقطة" حملوها إلى الصحاري القفرة والمفازات الفسيحة والأحراش الخضراء ، وليس ذلك بأكثر من استجابة واعية لأداء الدور الذي به يكونون ، وبدونه لايكونون . فاختاروا الخيار الأول ، وهو ما يعني أن النتيجة حتما ستكون وفقا لمقتضيات خيارهم.
---------------------------------
الإحالات :
[1] الخليل النحوي :"بلاد شنقيط المنارة والرباط" ( تونس – المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ، 1987)، ص 18.
[2] القاضي بي بن سليمان :" موريتانيا الوقائع والوفيات وكر الحروب والإغارات " ، ( انواكشوط ، وزارة الإعلام ، 2001) ص 15. [3] الخليل النحوي ، المصدر السابق >كره ، ص 19.
[4] المصدر نفسه.
[5] أحمد ولد الحسن : الشعر الشنقيطي في القرن 13 هــ : مساهمة في وصف الأساليب" ،( طرابلس ، جمعية الدعوة الإسلامية ، 1995) ،ص 43.
[6] القاضي سليمان بن بي ، مرجع سابق الذكر ، ص 15.
[7] أحمد ولد الحسن ، مرجع سابق ، ص 46.
[8] محمد البرتلي :" فتح الشكور في معرفة أعيان وعلماء التكرور" تحقيق محمد الكتاني ومحمد حجي ،( بيروت ، دار الغرب الإسلامي1981) ، ط1 ، ص 26.
[9] الخليل النحوي ، مرجع سابق ، ص 19.
[10] القاضي بي ولد سليمان ، مرجع سابق ، ص 29.
[11] المرجع نفسه.
[12] أحمد ولد الأمين الشنقيطي :" الوسيط في تراجم أدباء شنقيط" ، مرجع سابق ، ص 422.
[13] سيدي عبد الله ولد الحاج إبراهيم : صحيحة النقل في علوية إدوعلى وبكرية محمد قلي" ، مخطوط ، المركز الموريتاني للبحث العلمي ، انواكشوط.
[14] أحمد ولد الحسن ، الشعر الشنقيطي ، مرجع سابق ، ص 18.
[15] للمزيد من التوسع والإطلاع ، يرجى مراجعة، المختار ولد حامدون : سلسلة حياة موريتانيا السياسية والثقافية.
[16] المرجع نفسه ، ص 15.
[17] يمكن مراجعة القواميس اللغوية الشهيرة كالقاموس المحيط للفيروز أبادي. ( مادة برزخ)
[18] الشيخ سيدي محمد الكنتي :" الرسالة القلاوية" ، مخطوط ، المعهد الموريتاني للبحث العلمي ، انواكشوط. [19] أحمد ولد الحسن ، الشعر الشنقيطي، ص 17.
[20] بول مارتي:" القبائل البيضانية في الحوض والساحل الموريتاني " ، ( طرابلس ، جمعية الدعوة الإسلامية ،2001) ، ترجمة محمد محمود ولد ودادي.
تم نشر الموضوع في موقع الأخبار بتاريخ2005 -02-14

من جوانتانامو إلى أبو غريب حقوق الإنسان الضائعة

وثقت كتب السيرة والتاريخ قبل ثماني قرون مضت وقائع الهجمات المغولية التترية التي قادها جنكيز خان وأدت إلى اجتياح واسع النطاق لمناطق واسعة من آسيا المعروفة حاليا ، وما يهمنا منها هو ما حدث في اجتياح عاصمة الخلافة الإسلامية بغداد التي عاث فيها المحتلون يومها خرابا وقتلا ودمارا ، واحرقوا مكتباتها التي عمّرت ذات يوم بخزائن دار الحكمة ، وزرعوا الفساد بكل ما تتسع له معانيه. وكان ذلك مثالا واقعيا على الوحشية حين تغدو سلوكا إنسانيا معتادا.. ذلك غيض مما تداعي إلي ذاكرتي حين شاهدت والعالم أجمع نزرا يسيرا من الصور البشعة المروعة التي تسبب فيها الأمريكيون وحلفاؤهم في سجن أبو غريبمنذ سقوط بغداد في 9 نيسان أبريل 2003.. إلا أن ما يستحق الوقوف عنده أنه قبل غزو العراق وفي ظل تداعيات هجمات الحادي عشر من سبتمبر التي جرحت كبرياءأكبر زعيمة للعالم الحر ، جعل الحكومة الأمريكية خصوصا جناحها الليكودي( والوصف للوزير باول") يدق طبول الحرب على ما يسمى الإرهاب في أفغانستان لاستئصال شأفة حركة طالبان و ضيوفها من تنظيم القاعدة الذين نفذوا تلك الهجمات الشهيرة. ولم يمضي وقت طويل حتى وقعت أفغانستان تحت وطأة الاحتلال الأمريكي الذي بلغ نصره العسكري المحقق بعد أن استخدمت أحدث آلات الدمار والفتك المعروف منها والمجهول .ومع فشلها في القبض على الرؤوس الكبيرةمن طالبان والقاعدة ، فإن أمريكا استطاعت أن تلقي القبض على الآلاف قي معسكرات اعتقال جماعية لمن نجا من الموت في المعارك داخل القواعد العسكرية التي ذرعت طول أفغانستان وعرضها ، ومن بين أولئك تم شحنالمئات منهم من أكثر من أربعين دولة إلى معسكر اعتقال تم تجهيزه خصيصا لذلك في إحدى الجزر الكوبية النائية في عرض البحار التي اتخذها الجيش الأمريكي قاعدة منذ تفاعلات الحرب الباردة.وهكذا تحولت قاعدة جوانتاناموإلى أكبر معتقل تاريخي خارج دائرة القانون الدولي والأعراف الإنسانية. حيث لا يدرك العالم قاطبة على وجه الدقة ما يدور داخل أسوار الحصن الرهيب إلا فتات المعلوماتالذي نشره بعض المفرج عنهم مؤخرا ، والتي تؤكد أن الحياة داخل المعسكر أشبه ما تكون بـالتراجيدياحية أبطالها ومنفذوها بشر تجري في أجسادهم الدماء ، وهي تراجيديا حصدت أرواح كثيرين تحت وطأة التعذيب الهمجي. ومن بقي منهم على قيد الحياة أصابه الخبل والجنون ، ولم تجدي نداءات المنظمات الدولية العالمية ولا الأمم المتحدة في أن يكشف النقاب عن يوميات جوانتاناموالتي ربما لو رفع عنها حجاب السرية والكتمان لأدت إلى تغيير في الكثير من التصورات حول ما يجري باسم الحرب على الإرهاب"! وقد أشارت جريدة الواشنطن بوست في عددها الصادر في 10/5/2004 إلى معلومات تشي بخطورة الأوضاع داخل السجن المذكور حيث يتم استجواب السجناء عرايا تحت أزيز الموسيقي الصاخبة وبعد حرمانهم من النوم ليالي متوالية .وبعد حربهم على أفغانستان شحذ الليكوديونأسلحتهم لغزو بلد عربي مسلم تحت ذرائع أوهي من خيوط العنكبوت ، ومن بينها تخليصالعراق من أسلحة الدمار الشامل الحلال على إسرائيل وحدها في الشرق الأوسط ، و كذلك نشر رسالة الحرية والديمقراطيةفي المنطقة وأولها بلاد الرافدين ، لكن حقيقة الأمر ببساطة هي أن الهدف هو السيطرة والهيمنة على العراق كدور وموارد .وقد أدرك المجتمع المدني العالمي حتى قبل اندلاع الغزو حجم الكوارث التي يتم التخطيط لها وشهدت أرجاء البسيطة مظاهر الانزعاج من الحرب التي كان قرارها في البدء والمنتهي قرارا أمريكيا صرفا ، وحتى الأمم المتحدة التي كثيرا ما تم إجبارهاعلى إضفاء أغطية الشرعية ولو كانت شفافة لم تستطع هذه المرة ?خلافا لمرات أخرى- إلا أن تعلن بافتقار قرار الولايات المتحدة للشرعية الأخلاقية فتهاوت كل ذرائعها الواحدة تلو الأخرى بسرعة البرق و استحال العراق إلى مختبر كبير لتجربة صنوف القهر والإذلال اليومي للمواطن العراقي يبقي بعده كل حديث عن إدانة للدكتاتورية أو تبشير بالحرية كلاما فارغا ومفروغا منه.وكان غزو العراق مثال صارخااتضحت معه وبه أهداف ونوايا المسكونين بجنون العظمة والغطرسة الذين يرون أنهم مبعوثي العناية الإلهيةلتطهير الإنسانية من الشرور والآثام ، وذلك ما أثبته الكاتب الأمريكي ستيفن مانسفيلد في كتابه الأخير عن عقيدة جورج بوش ، وهو نمط مطورلفلسفة نظرية الحق الإلهي التي سادت قديما ويبدو أنها لاتزال تلقي بظلالها في الألفية الجديدة ولدى من هم في قمة التقدم العلمي والتكنولوجي ، وما يهمنا منها هو أن ترجمتها على أرض الواقع في بلاد الرافدين تمت بأسلوب ومنهج أبعد من أن يؤدي إلى الحرية والديمقراطية المجني باسمهما"، حيث لم يجد الشعب العراقي أثرالتلك الحرية اللهم إلا إذا كانت تعني حرية الاحتلال في العبث بالعراق أرضا وشعبا وصب ألوان العدوان عليه ووسم الألوف المؤلفة من أبنائه سوء العذاب في السجون والمعتقلات على طريقة فرعون قديما أو شارون حديثا.و تأكيدا على ذلك يمكن أن تتنزلوقائع سجن أبو غريب في بغداد في هذا الصدد ، وذلك بعد أن اصبح السجانون وحوشا بشرية كاسرة تنتشي فرحا وسادية وهي تنزل العذاب و الإهانة للأـبرياء وتعاملهم معاملة أدنى من معاملة الحيوانات في البرية!! هل تلك هي القيم التي لقنوها أثناء تحشيدهم وتعبئتهم للحرب؟ أم أنها تعكس ثقافة أمريكا التي يراد غزو العالم لتعميمها عليه؟وبدلا من الاعتراف بالجرم الكبير الذي ارتكبه القادة الأمريكيون بزعامة الليكودييْن العتيدين رمسفيلدو مايرزلحفظ ماء وجه أمريكا الذي تبخر منذ زمن ، شاهد العالم بأسره الرئيس بوشوهو ينتحي جانبا في حفل بهيج في بيته الأبيض 10/5/2004 ملتفتا إلى الوزير رمسفيلد واصفا إياه بأنه أفضل وزير للدفاع في التاريخ الحربي الأمريكي وهو بذلك يستحق الشكر والثناء العميم على جهوده وصنيعه!.. هكذا إذن .. إنها مفارقة كبرى وملهاة شكسبيرية أن يتم توشيحوزير الدفاع من رئيسه على جهوده الحربية وفي طليعتها إبداعات سجن أبوغريبفي بغداد .. وهي الإنجازات ? الفظائع "التي سيذكرها التاريخ بالبنط العريض على أساس أنه إحدى أروع القصص على هدر الكرامة الإنسانية. إن العزة بالإثم التي أخذت الأمريكيين بعد فضح أمرهم في أبوغريب و إعلان مشاة البحرية أنهم ليسوا أكثر من أدوات تنفيذللأوامر العليا الصادرة من البنتاغون .. يدلّل على عمق الإفلاس السياسي الذي تعانيه الدبلوماسية الأمريكية التي يحركها حق القوة وليس قوة الحق لإرواء عطشها المرضي إلى السيطرة والتسلط على العالم .. وذلك طريق ليس سالكا دائما ، وهذا من دروس التاريخ التي لا ولن تنسي وقد شهد بذلك النهايات المأساويةلمشاريع الطغيان العمياء التي حاولها هتلر وموسيليني وستالين وغيرهم .. ومثل تلك الدروس قد لا تجدي نفعا واستيعابا مع الأمريكيين ربما لأنهم بلد حديث عهد بالتاريخ ، وبالتالي فذاكرتهم التاريخية اللاشغوفة بالتاريخ قد تدفعهم إلى المزيد من حماقات النهاية السياسية كونيا بعد أن يجيئ دور الاستنزاف على الاقتصاد تأسيسا على ما أعلنته الأخلاق من إفلاس في فيتنام واجوانتانامو وابوغريب .. والبقية تأتي!
نشر في موقع الأخبار بتاريخ 17/5/2005