19 مارس 2008

قمة الاتحاد الافريقي في سرت 2005 : تقدم أم تراجع؟؟

من أبوجا إلى سرت الثالثة إلى الخرطوم قمم تتوالي للإتحاد الإفريقي ، وتتدحرج معها القضايا والمشكلات التي تقض مضجع القارة الإفريقية ، ويظل السؤال إلى أين يسير الاتحاد الافريقي ..خصوصا بعد مرور نصف عقد على إعلانه في سرت الأولى يوم9-9-99.. وهل صحيح أن الأفارقة قادرون على أن يجعلوا القرن الحادي والعشرين ألفية للقارة السمراء؟إنها تساؤلات كبيرة ، لأنها بحجم قارة مثل القارة الافريقية التي تمتد في الزمان منذ قرون سحيقة لايعرف لها تاريخ دقيق . وتساؤلات صعبة ، لأنها تلامس قضايا بلغت من الجذرية والراهنية حدا دفع المتشائمين إلى اليأس المسبق من أي مستقبل لساكنة هذه القارة. إلا أن التشاؤم والتفاؤل محكومان في كل الأحوال بظروف العلم والواقع بالظاهرة المعينة. وبالتالي لن يكون بالمستطاع الإجابة القطعية على هكذا تساؤلات . ولكن تقريب الصورة ومحاولة فهمها سيكون أجدى لتكوين فكرة ما عن حاضر ومستقبل افريقيا.
لاشك أن فكرة توحيد القارة الافريقية سياسيا واقتصاديا، وتقريبها من بعضها البعض فكريا وثقافيا واجتماعيا، هي أهم طوبي ثورية داعبت خيال جيل الاستقلال لاشك أن فكرة توحيد القارة الافريقية سياسيا واقتصاديا ، وتقريبها من بعضها البعض فكريا وثقافيا واجتماعيا ، هي أهم طوبي ثورية داعبت خيال جيل الاستقلال ، من أمثال جمال عبد الناصر الذي أشار في " فلسفة الثورة" سنة 1953 إلى الدوائر الثلاثة للعمل السياسي الوطني ، ومنها الدائرة الافريقية . كما برزت طروحات " الأفرقة" لدى كبار المناضلين مثل كوامي نكروما وسنغور ,وأحمد شيخو توري ، ولوممبا ..وغيرهم .إلا أن أقصى تجسيد مقبول واقعيا لتلك الأفكار الجميلة كان هو تأسيس منظمة الوحدة الافريقية في 25 مايو1963 ، وهي المنظمة التي نهضت بأعباء أدوار جيدة وتتناسب مع مرحلة مابعد الحرب العالمية الثانية ، باعتبارها آخر قلاع الاستعمار المباشر بجيوشه وجحافله الجرارة ، ولهذا كان أقصى ما يمكن القيام به من المنظمة الوليدة هو استكمال معركة التحرير الوطنى وتصفية الفصل العنصري وبقاياه في جنوب القارة ، والسعي لبناء سيادة وطنية ( ولو شكلية) من علم ونشيد وطنى وحكومة ( ولو من المترجمين وأعوان المستعمرين في بعض الحالات..!).
وبذلك ظلت المنظمة بمثابة أهم ناد سياسي للقارة السمراء ينعقد سنويا ويحضره القادة والزعماء وممثليهم ليمهروا الاتفاقيات والقرارات والقوانين من أجل مصلحة دولهم وشعوبهم. وبغض النظر عن فعالية المنظمة وجديتها في القدرة على التصدي للمشاكل المزمنة التي اكتوت بنارها دول القارة على مدى عقود من عمر المنظمة ، حيث بلغت الانقلابات العسكرية خلال الفترة 1963-1999 أزيد من ستين انقلابا عسكريا ، وهو ما أدّى إلى زعزعة الأمن والاستقرار ونشوب الحروب الأهلية والقبلية ، كما انتشرت الأوبئة الفتاكة والأمراض المستعصية التي تحصد أرواح الأفارقة بالملايين ، أما شيوع الفساد الإداري وفشل برامج التنمية الاقتصادية وعدم العدالة في توزيع الدخول بين دول القارة وداخل الدولة الواحدة ، كل ذلك ظل عناوين بارزة تصدرت الصورة الإعلامية كلما جاء الحديث عن افريقيا وأهلها .. ولذلك هاجرت العقول والأدمغة الإفريقية بالجملة ، إذ ترى بعض الإحصائيات المتخصصة أنها تصل إلى ثلاثين ألف أفريقي من مهندسين وأطباء وحاملي مؤهلات جامعية عليا بدرجة الماجستير والدكتوراه!ولعل ذلك يعكس جزء ميكروسكوبيا من التركة الثقيلة التي أورثتها منظمة الوحدة الافريقية لوليدها الناشئ الجديد " الاتحاد الافريقي" ، وكانت تلك التركة هي الرصيد " التاريخي" الذي أسست عليه الطموحات الجديدة والمشاريع الضخمة والآمال العِراضْ التي يوصلها البعض إلى احتمالية إنشاء الولايات المتحدة الافريقية.إن ميلاد هذا الحلم الكبير لم يكن سهلا على الاطلاق ، بل إنه كان أشبه بمعجزة من السماء ، إذ كيف يتصور أمام اللوحة التى رسمت بعض ملامحها آنفا أن تتلاقي إرادات الدول التي تفوق الخمسين دولة للقبول بخلق إطار اتحادي جديد يجبُّ ما قبله ، ويكون بداية معارك سياسية واقتصادية جديدة من أجل تطوير القارة وتحديثها .
ولكن هذا ما حصل وبتسارع مثير للانتباه والشفقة في آن معا .ولقد كان العقيد القذافي هو صاحب الدعوة الأبرز إلى تأسيس الاتحاد الافريقي ، وكان ذلك على هامش قمة الجزائر في صيف سنة1999 ، حيث وجه الدعوة إلى قمة استثنائية بعد خمسة وأربعين يوما في مدينة سرت الليبية الساحلية ، وهي القمة التي أصبحت تعرف بــ :"قمة إعلان الاتحاد الافريقي 9.9.99" ، حيث نوقشت فيها وضعية المنظمة ، وكيف أنها كانت خطوة تاريخية في حينها وظروفها ، إلا أنه بعد انهيار القطبية الدولية والحرب الباردة ، وانسحاب الاتحاد السوفيتي إلى إرشيف التاريخ ، وانفراد أمريكا بالساحة الدولية كلاعب رئيسي شبه منفرد بإحداثيات السياسة العالمية ، وظهور منطق التكتلات المتعملقة التي يكون أمامها مصير الدول- مهما كانت- مهددا بالزوال ، فإن الاستمساك بالمنظمة يعدّ غير ذي جدوى بل ومعطل أمام إمكانية تجاوز القارة لمشكلاتها البنيوية العميقة.
وهنا بات الاتحاد الافريقي هو البديل المقبول والواقعي للرد على التحديات المستجدة والمستديمة وهنا بات الاتحاد الافريقي هو البديل المقبول والواقعي للرد على التحديات المستجدة والمستديمة ، وذلك ما عكسه القانون التأسيسي للإتحاد الإفريقي الذي أظهر كل تلك الهواجس في شكل أفكار تم نثرها وتجسيدها في سبعة عشر جهازا تتضمن السياسة الداخلية والخارجية للقارة في مجالات السياسة والحكم الرشيد ، ( مجلس الرئاسة ، وبرلمان عموم افريقيا ، المجلس التنفيذي ، ومجلس الأمن والسلم الإفريقي ، والاقتصاد القطاعي( الزراعة والصناعة والخدمات.) والسياسات المالية والنقدية ( مصرف التنمية الافريقية ، والعملة ، والتجارة الخارجية والاستثمار.. الخ).وعلى الرغم من أن بعض تلك الأجهزة قد رأي النور ، مثل البرلمان الإفريقي ، ومجلس السلم والأمن في أفريقيا ، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للاتحاد الافريقي .. إلا أن أجهزة أخرى رئيسية لم تزل في ظهر الغيب . ومع أن الفترة التى مرت على إنشاء الاتحاد لاتزال غير كافية لنضجه وإخراج كافة أجهزته إلى حيز الواقع . نظرا لتحديات جمة ، لعل من أهمها:
أولا : وجود خلافات " متجددة" حين يتعلق الأمر بتأسيس أحد الأجهزة على مسائل من قبيل دولة المقر ، والرئيس . ولعل مثال ذلك ماشاع من صراعات على المقر الرئيسي قبل سنيتن للإتحاد نفسه ، حيث هددت دول بالانسحاب منه إذا لم تكون مقرا له.
ثانيا : تغليب المصالح القطرية الضيقة على المصلحة الافريقية المشتركة ، مثال ذلك رفض بعض الدول بحث مسائل من طرف مجلس السلم والأمن الإفريقي لأن تلك الدول طرف فيها.
ثالثا : عدم الاقتناع " الكامل" بالاتحاد الافريقي وأهميته ومزاياه في هذه الألفية الجديدة ، نظرا لتجذر فكر " الإقليمية" على حساب الفكر الوحدوي الشامل.
رابعا : عدم إلزامية قرارات مفوضية الاتحاد الافريقي ، وهو ما أدّى إلى تبرم الدول الأعضاء من تطبيقها ، وهذا ما ساهم في إظهار الاتحاد كأنه نسخة ممتدة من المنظمة السابقة.
خامسا : تخلف الدول الإفريقية عن سداد التزاماتها للإتحاد وهو مايعطل تنفيذ السياسات المختلفة ، حيث إن دولا قليلة تحسب على أصابع اليد تساهم بأزيد من نصف ميزانية الاتحاد، وهو ما أشار إليه آلفا عمر كوناري رئيس المفوضية الإفريقية بقوله إن 38 دولة لم تسدد إلتزاماتها المالية للإتحاد!.ومع تلك التحديات الجسيمة ، فإن الأتحاد الافريقي يحاول جاهدا أن يمسك بزمام الأمور في القارة ، وهذا ما جعله يحسم الأمر في قضية "دارفور" ويبعث ببعثة تقصي للحقائق أوصت بإرسال قوة افريقية مسلحة لضبط الوضع هناك ، وقد كانت تلك خطوة جريئة قطعت الطريق ، أو تكاد ، على " تدويل" الأزمة الذي سعت دول كبرى إليه وسوقت له بسرعة فائقة ولكنها لم تنجح فيه ، وهاهو الاتحاد يستمر في رعاية المفاوضات من أجل حل مشكل دارفور.كذلك "أزمة الشرعية السياسية" في ساحل العاج ، وقبلها مدغشقر ، وليبيريا ورواندا وبوروندي .... في كل تلك الأزمات ، فإن الإتحاد الإفريقي حرص على الفعل السياسي والتعامل المباشر وفقا لممكناته وهامش حركته. وهذا يدل على قدرته ، ربما ، في المستقبل على التعاطي السياسي الايجابي مع المشاكل الأخرى في القارة.
ويري محللون أفارقة، أن السياسة على أهميتها قد لاتكون مناسبة راهنا للمدخل الحقيقي للاتحاد ، ولهذا لابد من فتح المجال أمام الاقتصاد ليقوم بالمهمة ويري محللون أفارقة ، أن السياسة على أهميتها قد لاتكون مناسبة راهنا للمدخل الحقيقي للاتحاد ، ولهذا لابد من فتح المجال أمام الاقتصاد ليقوم بالمهمة.وبالفعل ، فإن ، الاقتصاد – خصوصا في بلدان عالم الجنوب عامة- له دور أكبر بكثير من السياسة. وهنا تتجلي أهمية فكرة توحيد السياسات الاقتصادية التكاملية في التجارة والاستثمار بين دول القارة ، حيث ستعمل الاستثمارات المشتركة من دول الفائض المالي والوفرة الاقتصادية( جنوب افريقيا ، نيجيريا ، ليبيا .. الخ) إلى دول العجز المالي ( مالى ، بنين ، غينيا الاستوائية... الخ) إلى إحداث نقلة نوعية في جوانب التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تقارب مستويات التطور وتعمل على استغلال الموارد الاقتصادية المتوافرة بكثرة وكفاءة وعقلانية داخليا ، وتقوية القدرة التفاوضية الاقتصادية للسلع والمنتجات الافريقية في السوق الدولية وتسعيرها بالسعر العادل الذي يتعادل مع أسعار المنتجات الصناعية المستورة من أمريكا ودول الاتحاد الأوروبي وهما الشركاء الرئيسيين لإفريقيا.وقد تكون الخطوة المبدئية لذلك هي التفكير في آلية لتوحيد وزارات الاقتصاد والتجارة في الدول الافريقية من أجل تنسيق المواقف للتجارة الخارجية الافريقية التي تواجه تبعات الوحدانية وهذا مايسهم في خسارتها – حاليا- في الاقتصاد العالمي.
وليس ذلك إلا بالنموذج لمايمكن أن يحدث حتى في مجالات الصحة و الدفاع والنقل والمواصلات والاتصالات ، حيث تطرح أفكار عن تفعيل مفوضية الاتحاد الافريقي لتكون على غرار نظيرتها الأوروبية التي تحوي منسقا للسياسة الخارجية والدفاع وغيرهما، ولا شك أن التعثر الذي شهده التصديق على الدستور الأوروبي في فرنسا وهولنده مثلا ، يمكن الإفادة منه في عدم التسرع في الحالة الإفريقية حتى تقام الأسس الفنية لمفوضية الاتحاد على أرض في صلابة الفولاذ الإفريقي حتى لا تتعثر الجهود وتفشل المشاريع قبل ابتدائها كما حدث في أوروبا حول الدستور الأوروبي الموحد في الفترة الأخيرة.إن الاتحاد الإفريقي يسير في الاتجاه الصحيح حتى الآن ، وهناك إمكانية لتعزيزه وتطويره لينجز الأهداف الكبرى التى وردت مجملة في القانون التأسيسي ، ولكن العمل لايزال مطلوبا لاستكمال انشاء مؤسساته وأجهزته وعلى أسس واضحة وقوية .كما أن القناعة بجدوى وجدوائية الاتحاد الافريقي لابد أن تكون قناعة راسخة لدى الجميع من طرابلس إلى بريتوريا ومن نواكشوط إلى نيروبي حتى يكون هناك صوت إفريقي موحد ووعي إفريقي متكامل ووجهة نظر إفريقية واضحة يقدمها الأفارقة عن أنفسهم للآخرين ، لا ما يشكله الآخرون عنهم وفقا للأحكام المسبقة والأفكار غير الموضوعية ، عندها سيكون للقارة السمراء دور فاعل في الألفية الإفرنجية الجديدة يساهم مع الآخرين على قدم المساواة وليس دورا مكملا أوتابعا ، ولعل القمة الخامسة في سرت 2005 تعطي مؤشرات " قوية" و " حازمة" عن ما ينوى الأفارقة أن يفعلوه : انتصارا أو انتكاسا، تقدما أم تراجعا.

0 التعليقات:

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | Hostgator Discount Code تعريب بلوغر ـ تطوير وتنسيق : yahya